بث تجريبي

الأذريون في إيران: قومية صنعت الدولة وتبحث عن اعتراف أوسع

تقارير وملفات - Foresight

في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى ملفات القوميات الأكثر توترًا داخل إيران، كالأكراد في الغرب والبلوش في الجنوب الشرقي والعرب في الأحواز، تبقى القومية الأذرية حالة مختلفة يصعب تصنيفها ضمن النماذج التقليدية للأقليات القومية. فالأذريون ليسوا جماعة هامشية تعيش على أطراف الدولة، كما أنهم ليسوا حركة انفصالية منظمة تسعى إلى الانفصال عن المركز، بل يمثلون إحدى الركائز التاريخية والسياسية التي ساهمت في بناء الدولة الإيرانية نفسها. ومع ذلك، فإن هذه الشراكة التاريخية لم تُلغِ الأسئلة المتعلقة بالهوية واللغة والثقافة، والتي عادت إلى الواجهة خلال السنوات الأخيرة في ظل التحولات الإقليمية التي تشهدها منطقة جنوب القوقاز.

تمثل القومية الأذرية أكبر جماعة غير فارسية في إيران. ورغم غياب إحصاءات رسمية دقيقة حول التوزيع الإثني للسكان، فإن أغلب التقديرات تشير إلى أن الأذريين يشكلون ما بين خمس وربع سكان البلاد، ما يجعلهم ثاني أكبر مكون سكاني بعد الفرس. ويتمركز وجودهم بصورة رئيسة في محافظات أذربيجان الشرقية وأذربيجان الغربية وأردبيل وزنجان، إلى جانب حضور كثيف في العاصمة طهران والمدن الصناعية الكبرى.

وتكتسب هذه الأرقام دلالة خاصة إذا ما قورنت بالقوميات الأخرى داخل إيران. فالأذريون لا يمثلون مجرد أقلية عددية، بل كتلة ديموغرافية واقتصادية وسياسية يصعب تجاهلها في معادلة الاستقرار الداخلي. كما أن عددهم داخل إيران يفوق في بعض التقديرات عدد سكان جمهورية أذربيجان نفسها، الأمر الذي يضفي على المسألة الأذرية أبعادًا تتجاوز الحدود الوطنية لتتصل بتفاعلات إقليمية أوسع.

غير أن فهم موقع الأذريين في إيران المعاصرة يقتضي العودة إلى القرن التاسع عشر، حين شهدت المنطقة واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في تاريخها الحديث. فالحروب الروسية – الفارسية التي انتهت بمعاهدتي كلستان عام 1813 وتركمانجاي عام 1828 أدت إلى تقسيم أذربيجان التاريخية بين الإمبراطورية الروسية والدولة القاجارية الفارسية. ومنذ تلك اللحظة أصبح الشعب الأذري موزعًا بين فضاءين سياسيين مختلفين؛ أحدهما بقي ضمن إيران، والآخر أصبح جزءًا من الإمبراطورية الروسية قبل أن يتحول لاحقًا إلى جمهورية أذربيجان المستقلة.

لم يكن هذا التقسيم مجرد تعديل للحدود، بل كان نقطة تحول تاريخية أعادت تشكيل الهوية الأذرية نفسها. ففي الشمال تأثر الأذريون بالسياسات الروسية ثم السوفيتية وبروز الحركات القومية الحديثة، بينما اندمج أذريو الجنوب تدريجيًا في الدولة الإيرانية الحديثة وشاركوا في مؤسساتها السياسية والدينية والعسكرية. ومنذ ذلك الوقت تشكلت لدى أذريي إيران هوية مركبة تجمع بين الانتماء القومي التركي والانتماء الوطني الإيراني.

ولعل المفارقة الكبرى في تاريخ الأذريين أنهم لم يكونوا يومًا غرباء عن مشروع الدولة الإيرانية. فعندما ظهرت الدولة الصفوية في مطلع القرن السادس عشر كانت القبائل التركية الأذرية، المعروفة بالقزلباش، تشكل العمود الفقري لقوتها العسكرية والسياسية. ومن خلال الدولة الصفوية جرى توحيد إيران في إطار سياسي مركزي وإقرار المذهب الشيعي الاثني عشري مذهبًا رسميًا للدولة. وبذلك ساهم الأذريون بصورة مباشرة في صياغة الهوية الدينية والسياسية التي ما تزال إيران الحديثة تستند إليها حتى اليوم.

هذا الإرث التاريخي انعكس لاحقًا على موقع الأذريين داخل النظام السياسي الإيراني. فخلافًا للعديد من القوميات الأخرى، حافظ الأذريون على حضور قوي داخل مؤسسات الدولة. ويكفي أن المرشد الأعلى علي خامنئي ينحدر من أصول أذرية، فضلًا عن وجود شخصيات عديدة من أصول أذرية في المؤسسة العسكرية والحرس الثوري والبيروقراطية الحكومية. وقد ساهم هذا الحضور في خلق علاقة مختلفة بين الأذريين والدولة، تقوم على الاندماج السياسي أكثر مما تقوم على المواجهة.

لكن الاندماج السياسي لا يعني بالضرورة اختفاء المطالب الثقافية. فالقضية المركزية بالنسبة لقطاعات واسعة من النخب الأذرية تتمثل في اللغة والهوية الثقافية. وعلى الرغم من أن الدستور الإيراني يسمح باستخدام اللغات المحلية في المجالات الثقافية والإعلامية، فإن الفارسية ما تزال اللغة المهيمنة في التعليم والإدارة والحياة العامة. ولذلك يطالب العديد من المثقفين الأذريين بتوسيع تدريس اللغة التركية الأذرية في المدارس والجامعات وتعزيز حضورها في وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية.

وفي الواقع، لا تعبر هذه المطالب عن نزعة انفصالية بقدر ما تعكس رغبة في الحفاظ على الخصوصية الثقافية ضمن إطار الدولة الإيرانية. فالأذريون، بخلاف بعض القوميات الأخرى، لا يطرحون بصورة واسعة مشاريع سياسية راديكالية، بل يركزون على قضايا الهوية والاعتراف الثقافي والمشاركة المتوازنة في الحياة العامة.

ولا يمكن فصل هذه المطالب عن التحولات الإقليمية التي شهدتها منطقة جنوب القوقاز خلال العقود الأخيرة. فاستقلال جمهورية أذربيجان عام 1991 أعاد إحياء الروابط التاريخية والثقافية بين الأذريين على جانبي نهر أراس، بينما أدى صعود الدور التركي في المنطقة إلى تعزيز حضور الخطاب القومي التركي بصورة عامة.

وجاءت حرب ناغورنو كاراباخ، خصوصًا جولة عام 2020، لتضيف بعدًا جديدًا إلى هذه المعادلة. فقد تابع ملايين الأذريين الإيرانيين تطورات الحرب بوصفها قضية ترتبط بهويتهم الثقافية والقومية، وخرجت في بعض المدن الأذرية مظاهرات داعمة لباكو ومطالبة بموقف أكثر وضوحًا من جانب طهران. ورغم أن هذه التحركات لم تتطور إلى تحدٍ سياسي مباشر للدولة، فإنها كشفت عن استمرار الروابط العاطفية والثقافية بين الأذريين في إيران وأبناء قوميتهم في جمهورية أذربيجان.

ومن هنا تنظر الدولة الإيرانية إلى الملف الأذري من زاوية تختلف عن نظرتها إلى بقية الملفات القومية. فالتحدي لا يتمثل في وجود حركة انفصالية قوية، بل في كيفية إدارة التوازن بين الهوية الوطنية الإيرانية والخصوصية القومية الأذرية. كما تدرك طهران أن أي تصاعد في النزعة القومية داخل المناطق الأذرية قد يتقاطع مع متغيرات إقليمية معقدة تشمل علاقاتها مع أذربيجان وتركيا وروسيا، وهو ما يمنح القضية أبعادًا تتجاوز الشأن الداخلي.

إلى جانب ذلك، يتمتع الأذريون بثقل اقتصادي مهم داخل إيران. فقد كانت تبريز على مدى قرون إحدى أهم البوابات التجارية للبلاد نحو القوقاز وروسيا وأوروبا، كما برز رجال أعمال وتجار من أصول أذرية في قطاعات التجارة والصناعة والخدمات. وأسهم هذا النفوذ الاقتصادي في تعزيز اندماج الأذريين داخل البنية الاقتصادية الوطنية، كما حدّ من فرص تشكل نزعات انفصالية واسعة النطاق.

ومع ذلك، فإن المستقبل سيظل مرهونًا بقدرة الدولة الإيرانية على إدارة التعددية القومية بصورة أكثر مرونة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في السيطرة الأمنية أو في احتواء الاحتجاجات الظرفية، وإنما في بناء نموذج وطني قادر على استيعاب التنوع الثقافي واللغوي الذي يميز المجتمع الإيراني.

في المحصلة، لا تمثل المسألة الأذرية قضية أقلية تبحث عن مكان داخل الدولة، بل قضية قومية شاركت في صناعة هذه الدولة وأسهمت في تشكيل هويتها السياسية والدينية، لكنها ما تزال تطالب باعتراف أوسع بخصوصيتها الثقافية واللغوية. وبينما تبدو احتمالات الانفصال محدودة في المدى المنظور بفعل عوامل الاندماج المذهبي والسياسي والاقتصادي، فإن التوازن بين الهوية الوطنية الإيرانية والهوية القومية الأذرية سيبقى أحد أبرز التحديات التي ستواجه إيران خلال السنوات المقبلة. وفي هذا المعنى، تبدو القضية الأذرية مرآة تعكس إشكالية أوسع تتعلق بمستقبل التعددية القومية في الدولة الإيرانية وحدود قدرتها على تحويل التنوع من مصدر قلق أمني إلى رافعة للاستقرار والاندماج الوطني.