كيف يمكن لأزمة مضيق هرمز أن تدفع الهند نحو تسريع التحول في قطاع الطاقة؟
تقف الهند، سادس أكبر اقتصاد في العالم وثالث أكبر مستهلك للطاقة، عند مفترق طرق حاسم في مسيرتها التنموية. فهي تسعى إلى تحقيق هدفين استراتيجيين متوازيين: بناء «الهند المتقدمة» (Viksit Bharat) بحلول عام 2047، والوصول إلى الحياد الكربوني (Net Zero) بحلول عام 2070.
ويُعد توفير طاقة موثوقة وميسورة التكلفة ونظيفة لجميع المواطنين شرطاً أساسياً لتحقيق أهداف التنمية، في حين يمثل التحول في قطاع الطاقة ركيزة رئيسية للوفاء بالالتزامات المناخية طويلة الأجل.
اعتماد كبير على الواردات
لا يزال قطاع الطاقة الهندي يعتمد بدرجة كبيرة على الوقود الأحفوري المستورد. ففي السنة المالية 2024-2025، بلغت نسبة الاعتماد على الواردات نحو 89% بالنسبة للنفط الخام، و50% للغاز الطبيعي، و25% للفحم.
ويؤدي الشرق الأوسط دوراً محورياً في تلبية احتياجات الهند من الطاقة. فقد جاء نحو 47% من واردات النفط الخام الهندية خلال عام 2024-2025 من دول المنطقة عبر مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية للتجارة والطاقة بين الهند والشرق الأوسط. وكانت حصة الشرق الأوسط من واردات النفط الهندية قد بلغت 64% في عام 2021-2022، قبل أن يؤدي تدفق النفط الروسي منخفض التكلفة إلى إعادة تشكيل خريطة الإمدادات في السنوات الأخيرة.
وتتجلى درجة الاعتماد بصورة أكبر في قطاع غاز البترول المسال (LPG)، الذي يُعد الوقود الرئيسي للطهي في الهند؛ إذ يأتي نحو 95% من واردات البلاد من هذا الوقود من دول غرب آسيا عبر مضيق هرمز. كما يتم استيراد نحو 64% من الغاز الطبيعي المسال (LNG) من المنطقة ذاتها.
ويُعتبر الغاز الطبيعي ثاني أهم مصدر للطاقة في قطاع النقل من خلال الغاز الطبيعي المضغوط (CNG)، حيث شكّل نحو 6% من استهلاك وقود النقل خلال عام 2024-2025. كما يُستخدم في الطهي عبر الغاز الطبيعي الموزع بالشبكات (PNG)، الذي يمثل نحو 9% من استهلاك الطاقة في القطاع السكني و12% في القطاع التجاري.
تأثيرات تتجاوز قطاع الطاقة
لا يقتصر اعتماد الهند على الشرق الأوسط على النفط والغاز فقط، بل يمتد إلى قطاعات حيوية أخرى. فالمنطقة توفر نحو 43% من واردات الهند من الأسمدة و73% من وارداتها من اليوريا.
ويُعد الغاز الطبيعي مادة أولية أساسية في الاقتصاد الهندي؛ إذ يُستخدم نحو 45% من استهلاك البلاد من الغاز في إنتاج الأسمدة الزراعية والمواد الكيميائية اللازمة لصناعة البلاستيك والألياف الصناعية. وبالتالي، فإن أي اضطراب في إمدادات الغاز الطبيعي لن يقتصر تأثيره على قطاع الطاقة، بل سيمتد إلى الأمن الغذائي والصناعات المرتبطة به.
أما النفط الخام المستورد من الشرق الأوسط ومن مناطق أخرى، فيُكرر محلياً لإنتاج المشتقات النفطية المستخدمة بصورة رئيسية في النقل والطهي.
مزيج طاقة معقد
تختلف أنماط استهلاك الطاقة بين القطاعات الاقتصادية الهندية بصورة ملحوظة. ففي القطاع الصناعي، يهيمن الفحم على نحو 59% من إجمالي استهلاك الطاقة، فيما تمثل المنتجات النفطية والكهرباء نحو 19% لكل منهما.
أما قطاع النقل فيعتمد بشكل شبه كامل على المنتجات النفطية، التي تشكل نحو 92% من إجمالي استهلاكه للطاقة، بينما يساهم الغاز الطبيعي بنسبة 6%.
وفي المقابل، تعتمد القطاعات السكنية والتجارية والزراعية بصورة رئيسية على الكهرباء، تليها المنتجات النفطية. وتلبي الكهرباء معظم احتياجات الاستخدامات غير المرتبطة بالطهي، في حين يظل الطهي معتمداً بشكل كبير على الوقود النفطي، الذي يشكل نحو 81% من استهلاك الطاقة المخصص لهذه الغاية.
ويعكس هذا التنوع الكبير في أنماط الاستهلاك، إلى جانب التفاوت في فرص الوصول إلى التقنيات الخضراء منخفضة التكلفة، تعقيد عملية التحول الطاقوي في الهند. فمع ضخامة الطلب على الطاقة وتنوعه واستمراره في النمو، لا يمكن الاعتماد على مصدر واحد أو تقنية واحدة لتحقيق هذا التحول.
التحول الكهربائي والتحديات المرتبطة به
يُنظر إلى كهربة الاستخدامات النهائية للطاقة باعتبارها أحد المسارات الأساسية للتحول نحو اقتصاد منخفض الكربون. وإذا كانت الكهرباء المنتجة تأتي من مصادر غير أحفورية، فإن استخدامها يمثل خطوة إضافية نحو تحقيق أهداف التحول الطاقوي.
حالياً، تمثل الكهرباء نحو خمس الاستهلاك النهائي للطاقة في الهند. وتشير دراسة حديثة صادرة عن مؤسسة «نيتي آيوغ» الحكومية إلى أن الوصول إلى الحياد الكربوني يتطلب رفع نسبة الكهربة إلى نحو 60% من إجمالي الاستهلاك النهائي للطاقة.
وعلى الرغم من التقدم الملحوظ الذي حققته الهند في قطاع الطاقة المتجددة، حيث أصبحت أكثر من نصف القدرة الكهربائية المركبة تأتي من مصادر غير أحفورية، فإن نسبة الكهرباء الخضراء المولدة فعلياً لا تتجاوز 27%.
ويرجع ذلك إلى الطبيعة المتقطعة لمصادر الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح، الأمر الذي يفرض تحديات تتعلق باستقرار الشبكات الكهربائية وإدارة الطلب.
كما أن تقنيات التخزين بالبطاريات والطاقة المتجددة تعتمد بشكل مكثف على المعادن الحرجة، وخاصة العناصر الأرضية النادرة. وهنا تبرز مشكلة جديدة، إذ تعتمد الهند بدرجة كبيرة على استيراد هذه المواد، في وقت تهيمن فيه الصين على سلاسل الإمداد العالمية الخاصة بها. ومن ثم فإن استمرار هذا الوضع قد يخلق شكلاً جديداً من التبعية الطاقوية.
الطاقة النووية ودورها المحتمل
تمتلك الطاقة النووية إمكانات كبيرة لتوفير كهرباء نظيفة ومستقرة وموثوقة، كما يمكن أن تسهم في خفض انبعاثات قطاع الكهرباء الهندي. ومع ذلك، لا تزال اعتبارات السلامة والتكاليف والتحديات التنظيمية تمثل عقبات رئيسية أمام التوسع السريع في هذا القطاع.
إزالة الكربون من قطاع النقل
يمكن إزالة الانبعاثات الكربونية من قطاع نقل الركاب البري إلى حد كبير عبر التحول إلى المركبات الكهربائية وتعزيز وسائل النقل العام المعتمدة على الكهرباء، مثل القطارات ومترو الأنفاق والحافلات الكهربائية والمركبات الكهربائية ثلاثية العجلات.
غير أن نقص البنية التحتية اللازمة لشحن المركبات الكهربائية يظل أحد أهم التحديات التي تعوق هذا التحول في المدى القريب.
الطهي والطاقة المنزلية
لا يزال الطهي في الهند يعتمد بصورة كبيرة على غاز البترول المسال والغاز الطبيعي المنزلي. ووفقاً للمسح الوطني الخامس لصحة الأسرة، يُعد هذان المصدران الوقود الرئيسي للطهي لدى 89% من الأسر الحضرية و42% من الأسر الريفية.
ورغم التوسع في برامج توفير الغاز للأسر الريفية، فإن الكتلة الحيوية التقليدية ما زالت تلبي جزءاً كبيراً من احتياجات الطهي في الريف.
وتبرز هنا هشاشة الاعتماد على الواردات، إذ يأتي نحو 95% من واردات الهند من غاز البترول المسال من الشرق الأوسط، كما تُلبى قرابة 60% من احتياجات السوق المحلية من خلال هذه الواردات. أما بالنسبة للغاز الطبيعي المستخدم عبر الشبكات المنزلية، فتبلغ النسب نحو 64% و32% على التوالي.
ومع وصول الاستهلاك السنوي من غاز البترول المسال إلى نحو 33 مليون طن متري، واحتفاظ البلاد بمخزونات تشغيلية محدودة لا تتجاوز 45 يوماً، فإن أي اضطرابات جيوسياسية في مضيق هرمز قد تؤثر بصورة مباشرة على الإمدادات المحلية.
فرصة لتعزيز البدائل النظيفة
في المقابل، يمكن أن تشكل الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز فرصة لدفع الهند نحو تبني بدائل أنظف وأكثر استقلالية في مجال الطهي والطاقة المنزلية.
ورغم أن الطهي الكهربائي لم يحقق انتشاراً واسعاً في الهند بسبب العادات الغذائية وأساليب الطهي التقليدية وتوافق الأواني المستخدمة، فإن الابتكارات الحديثة مثل مواقد البلازما الكهربائية قد تساعد على تجاوز كثير من هذه العقبات.
كما توجد بدائل أخرى واعدة، مثل ثنائي ميثيل الإيثر (DME)، وهو غاز صناعي نظيف مشتق من الفحم يمكن أن يحل محل غاز البترول المسال، إضافة إلى الطهي الشمسي والوقود القائم على الهيدروجين والإيثانول والغاز الحيوي.
إلا أن هذه الخيارات لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالتكلفة أو بسلاسل الإمداد، ما يحد من انتشارها على نطاق واسع.
نحو منظومة طاقة أكثر استدامة
يمكن للغاز الطبيعي أن يؤدي دور الوقود الانتقالي نظراً لانخفاض انبعاثاته مقارنة بالمشتقات النفطية. كما توفر أنواع الوقود الناشئة، مثل الغاز الحيوي المضغوط والإيثانول، بدائل نظيفة تدعم في الوقت ذاته هدف الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة.
أما في قطاعات الطيران والشحن البحري والنقل الثقيل، فإن الكهرباء لا تبدو حلاً عملياً في الوقت الراهن. وهنا تبرز أهمية وقود الطيران المستدام، والوقود الحيوي، والأمونيا الخضراء، والميثانول الأخضر، والهيدروجين بوصفها خيارات واعدة لمستقبل منخفض الكربون.
ومع ذلك، فإن هذه التقنيات لا تزال تواجه تحديات تتعلق بارتفاع التكاليف وصعوبة التوسع التجاري. كما تثير بعض أنواع الوقود الحيوي مخاوف مرتبطة بالانبعاثات الكلية وتأثيرها المحتمل على الأمن الغذائي بسبب منافستها للمحاصيل الزراعية.
خاتمة
تكشف أزمة مضيق هرمز وما ترتب عليها من تداعيات عن فرصة استراتيجية مهمة أمام الهند لتسريع تحولها في قطاع الطاقة. فالاعتماد الكبير على الواردات، خاصة من منطقة جغرافية مضطربة، يفرض على نيودلهي البحث عن بدائل أكثر استدامة وأمناً.
غير أن اغتنام هذه الفرصة يتطلب تخطيطاً استراتيجياً طويل الأمد، وسياسات داعمة، وحوافز لتشجيع استخدام الوقود النظيف، واستثمارات مستمرة في البحث والتطوير.
وإذا ما نجحت الهند في توظيف هذه اللحظة الجيوسياسية بصورة فعالة، فقد تتحول أزمة مضيق هرمز من مصدر تهديد لأمنها الطاقوي إلى نقطة انطلاق نحو منظومة طاقة أكثر استدامة واستقلالية وقدرة على الصمود في مواجهة الأزمات المستقبلية.
