سيد محمود

من يحكم الآلة عندما تتنافس الدول على امتلاكها؟

آراء حرة - سيد محمود
سيد محمود
كاتب ومحلل سياسي

كلما تحدث العالم عن تنظيم الذكاء الاصطناعي، بدا الأمر كما لو أن المشكلة تكمن في التكنولوجيا نفسها: آلات تتعلم بسرعة، وبرامج تتخذ قرارات، وأنظمة قد تتجاوز في بعض المهام قدرة البشر على الفهم أو التنبؤ.

لكن المشكلة الحقيقية قد تكون في مكان آخر تمامًا.

من الذي يستطيع أن يضع القواعد للتكنولوجيا التي تحولت إلى جزء من القوة الاقتصادية والاستراتيجية للدول؟

هذا هو السؤال الذي يجعل دعوة الزعيم البريطاني آندي بيرنهام من الأمم المتحدة إلى وضع ضوابط دولية للذكاء الاصطناعي أكثر أهمية من مجرد كونها دعوة جديدة إلى تنظيم التكنولوجيا. فبيرنهام يقترح أن تكون الأمم المتحدة ساحة للتوافق الدولي، وأن تؤدي مجموعة العشرين دورًا أكثر عملية في صياغة معايير مشتركة، على أن تتولى الدول تنفيذها داخليًا.

الفكرة تبدو معقولة. لكن السياسة الدولية لا تتحرك دائمًا وفق ما يبدو معقولًا.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قطاع تكنولوجي جديد يمكن تنظيمه مثل أي صناعة أخرى. لقد أصبح مرتبطًا بالاقتصاد، والدفاع، والأمن، والبحث العلمي، وسوق العمل، ومكانة الدول في النظام الدولي. ولذلك فإن الحديث عن تنظيمه يعني، بصورة أو بأخرى، الحديث عن تنظيم أحد مصادر القوة في القرن الحادي والعشرين.

وهنا تبدأ المعضلة.

العالم يريد قواعد... لكنه لا يريد أن يخسر السباق

ربما يستطيع المجتمع الدولي أن يتفق بسهولة على أن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى قواعد. لكن الاتفاق يصبح أكثر صعوبة عندما يصبح السؤال: ما هي هذه القواعد؟ ومن يلتزم بها؟ ومن يراقب الالتزام؟ وماذا يحدث لمن لا يلتزم؟

واشنطن وبكين هما المثال الأكثر وضوحًا.

فالرئيس الأميركي دونالد ترمب رفض ضوابط دولية يرى أنها يمكن أن تقيد تطور الذكاء الاصطناعي الأميركي، بينما استحضر الرئيس الصيني شي جينبينغ، خلال لقائه ترمب، مفهوم «فخ ثيوسيديدس» للتعبير عن مخاطر التنافس بين القوة القائمة والقوة الصاعدة.

وقد لا يكون الذكاء الاصطناعي سببًا مباشرًا للصدام بين الولايات المتحدة والصين، لكنه أصبح بالتأكيد أحد ميادين المنافسة بينهما.

وهذا يفسر جانبًا من صعوبة التوصل إلى قواعد دولية صارمة.

فالدولة التي تفرض على شركاتها قيودًا أكثر تشددًا قد تجد نفسها أمام منافسين في دول أخرى يتحركون بحرية أكبر. والشركة التي تتحمل تكاليف إضافية للامتثال قد تخسر جزءًا من قدرتها على المنافسة. والحكومة التي تبطئ تطوير التكنولوجيا باسم الاحتياط قد تخشى أن تكون قد منحت منافسيها أفضلية لا يمكن استعادتها.

لذلك فإن المشكلة ليست أن الحكومات لا تفهم مخاطر الذكاء الاصطناعي. المشكلة أنها تفهم أيضًا ثمن التأخر عنه.

معادلة مستحيلة

تريد الحكومات حماية المواطنين من فقدان الوظائف، وانتهاك الخصوصية، والتلاعب بالمعلومات، والأخطاء الخوارزمية، والاستخدامات العسكرية والأمنية الخطرة. وفي الوقت نفسه، تريد الاستثمارات، تريد مراكز البيانات، تريد الشركات، تريد الوظائف الجديدة، وتريد أن تكون جزءًا من الاقتصاد الذي سيقوده الذكاء الاصطناعي، لا مجرد مستهلك لتقنيات تنتجها دول أخرى.

وهكذا تجد الحكومات نفسها أمام معادلة يصعب تحقيق طرفيها في الوقت نفسه: تنظيم التكنولوجيا من دون خنق الابتكار، وتشجيع الابتكار من دون ترك التكنولوجيا تتحول إلى قوة بلا رقابة.

حتى البيئة أصبحت جزءًا من هذه المعادلة. فمراكز البيانات تحتاج إلى كميات ضخمة من الكهرباء والمياه، فيما تحاول الحكومات في الوقت نفسه تحقيق أهدافها المتعلقة بالطاقة والموارد.

لذلك فإن تنظيم الذكاء الاصطناعي ليس معركة بين «المؤيدين» و«المعارضين» للتكنولوجيا؛ إنه صراع بين مصالح مشروعة ومتعارضة.

المشكلة التي لم تُحل بعد: المسؤولية

لكن هناك سؤالًا أكثر أهمية من كل هذه الحسابات الاقتصادية: ماذا يحدث عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي؟ فإذا اتخذ نظام آلي قرارًا أدى إلى ضرر، فمن المسؤول؟ هل هي الشركة التي طورت النظام؟ أم المبرمج؟ أم المدير الذي أطلقه؟ أم المؤسسة التي استخدمته؟ أم الشخص الذي اعتمد على مخرجاته؟

هذه ليست مسألة قانونية هامشية، إنها قلب القضية كلها. فالقاعدة الأكثر أهمية ليست بالضرورة أن نقول للآلة: «لا تفعلي هذا». بل أن نعرف مسبقًا: من يملك سلطة إيقافها؟ ومن يتحمل مسؤولية عدم إيقافها؟

ففي عالم الأعمال التقليدي، يمكن تحديد المسؤولية بدرجة معقولة. أما الأنظمة الذكية المعقدة، فقد تجعل القرار نتيجة سلسلة طويلة من التصميم والتدريب والاختبار والاستخدام، بحيث يصبح من السهل بعد وقوع الضرر أن يتبادل الجميع المسؤولية.

وهنا يجب أن يبدأ التنظيم الحقيقي: ليس من العقوبة بعد وقوع الكارثة، بل من تحديد المسؤولية قبل وقوعها.

التكنولوجيا أسرع من القانون

هناك مشكلة أخرى تجعل مهمة الأمم المتحدة أكثر صعوبة.

القوانين تتحرك ببطء، أما التكنولوجيا فتتحرك بسرعة مختلفة تمامًا. فالرؤوس النووية والصواريخ، التي حاولت القوى الكبرى تنظيمها خلال الحرب الباردة، كانت أشياء مادية يمكن عدّها وتحديد مواقعها والتفتيش عليها.

أما نموذج الذكاء الاصطناعي فهو ليس منشأة يمكن وضعها على خريطة حيث يمكن تطويره في بلد، وتدريبه على بيانات من بلد آخر، وتشغيله عبر الإنترنت في دولة ثالثة، وتحديثه بعد أسابيع من صدور القانون الذي ينظمه.

وقد تتغير قدراته قبل أن تنتهي الحكومات من الاتفاق على تعريفه، وهنا تظهر مشكلة لا تستطيع الاتفاقيات التقليدية حلها بسهولة: كيف تضع قاعدة لتكنولوجيا تتغير أسرع من القاعدة نفسها؟

فرانكنشتاين ليس هو المشكلة

قبل أكثر من قرنين، كتبت ماري شيلي رواية فرانكنشتاين؛ أو بروميثيوس المعاصر، ومنذ ذلك الوقت أصبحت قصة العالم الذي خلق كائنًا ثم فقد السيطرة عليه استعارة متكررة للخوف من العلم. لكن ربما تكون القراءة الأكثر دقة للرواية مختلفة.

المشكلة لم تكن أن فرانكنشتاين أراد أن يعرف. المشكلة أنه لم يفكر بما يكفي في مسؤوليته عما سيحدث بعد أن يعرف. وهذا تحديدًا ما يجعل الرواية ذات صلة بعصر الذكاء الاصطناعي. السؤال ليس ما إذا كان علينا أن نخاف من الآلة، ولا ما إذا كانت الآلة ستتمرد على الإنسان. السؤال الأكثر واقعية هو: هل نضع نظام المسؤولية قبل أن نمنح التكنولوجيا قدرة أكبر على اتخاذ القرارات؟ إذا كان الجواب لا، فإن المشكلة لن تكون في الذكاء الاصطناعي نفسه، وإنما في المؤسسات التي سمحت له بالعمل دون تحديد واضح لمن يراقبه ومن يحاسبه.

وهناك خطر آخر: أن تتحول الحماية إلى رقابة لكن العالم يجب أن ينتبه أيضًا إلى الوجه الآخر للتنظيم. فالقواعد التي توضع لحماية الإنسان يمكن أن تتحول، إذا صيغت بصورة سيئة، إلى أدوات لمراقبته. قد تبدأ القصة بحماية المجتمع من المحتوى الضار، وتنتهي بتحديد ما يمكن للمواطن أن يبحث عنه. فقد تبدأ بحماية الخصوصية، وتنتهي برقابة أوسع على البيانات. وقد تبدأ بتنظيم الخوارزميات، وتنتهي بمنح الحكومات سلطة أكبر لتحديد ما يمكن للناس معرفته.

لهذا فإن السؤال عن تنظيم الذكاء الاصطناعي يجب أن يتضمن سؤالًا آخر لا يقل أهمية؛ فمن يراقب من يضع قواعد الرقابة؟ لا يكفي أن تكون التكنولوجيا خاضعة للقانون. يجب أن يكون القانون نفسه خاضعًا لمبادئ واضحة تحمي الحقوق والحريات.

هل تستطيع الأمم المتحدة فعل ذلك؟ تستطيع الأمم المتحدة أن توفر ما لا تستطيع دولة واحدة توفيره: شرعية دولية، ومنصة للحوار، وإطارًا يمكن للدول المختلفة أن تجتمع داخله.

لكنها لا تستطيع وحدها حل التناقض الأساسي، فالقواعد الدولية لن تكون ذات قيمة كبيرة إذا لم تقبل القوى الكبرى تطبيقها، وإذا لم تستطع الدول تحويلها إلى قوانين وطنية، وإذا ظلت الشركات قادرة على الانتقال إلى بيئات تنظيمية أقل تشددًا.

ولهذا قد يكون دور مجموعة العشرين أكثر عملية في المرحلة الأولى. فالدول الأعضاء تمتلك جزءًا كبيرًا من رأس المال والتكنولوجيا والأسواق التي ستحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي.

لكن حتى مجموعة العشرين ستواجه السؤال نفسه: هل تستطيع الدول أن تقبل قيودًا قد تضعف قدرتها على المنافسة؟

لن يتوقف سباق الذكاء الاصطناعي لأن الأمم المتحدة أصدرت قرارًا، ولن تتخلى الدول عن تطويره لأن بعض تطبيقاته تنطوي على مخاطر.لكن المطلوب ليس محاولة إيقاف المستقبل، بل محاولة منع المستقبل من أن يصل قبل أن تكون لدينا قواعد للتعامل معه. فالعالم لا يحتاج إلى اختيار بين الابتكار والتنظيم.