حين تفقد الأمة لغتها... ماذا يبقى من هويتها؟
ليست اللغة مجرد مجموعة من الكلمات التي نستخدمها لكي نفهم بعضنا بعضًا. إنها الطريقة التي نرى بها العالم، ونروي بها تاريخنا، وننقل بها ذاكرتنا من جيل إلى آخر. ولهذا فإن السؤال عن اللغة لا يتعلق فقط بكيفية الحديث والكتابة، وإنما يتعلق، في جوهره، بسؤال أعمق: من نحن؟ وكيف نريد أن نعرّف أنفسنا؟
كل مجتمع يترك جزءًا من ذاكرته داخل لغته. في الكلمات القديمة تختبئ حكايات الأجداد، وفي الأمثال تتراكم خبرات أجيال كاملة، وفي الشعر والموسيقى والحكايات الشعبية تتشكل صورة الإنسان عن نفسه ومجتمعه وماضيه. وحتى الكلمات التي تبدو عادية في حياتنا اليومية قد تحمل وراءها تاريخًا طويلًا من التجربة الإنسانية.
لهذا لا يمكن النظر إلى اللغة باعتبارها أداة محايدة للتواصل. اللغة تحمل الثقافة بقدر ما تعبر عنها، وتحفظ الذاكرة بقدر ما تصفها. وعندما تنتقل اللغة من جيل إلى آخر، فإنها لا تنقل الكلمات فقط، وإنما تنقل معها جزءًا من الطريقة التي يفهم بها المجتمع نفسه.
لكن أهمية اللغة بالنسبة إلى الهوية لا تعني أن الهوية يمكن اختزالها في اللغة وحدها. فالهوية بناء أكثر تعقيدًا، تشارك في تشكيله الذاكرة والتاريخ والدين والثقافة والقيم والتجربة السياسية والاجتماعية والرموز المشتركة. غير أن اللغة تظل واحدة من أكثر هذه المكونات قدرة على جمع هذه العناصر داخل إطار قابل للانتقال والاستمرار.
وهنا تكمن أهميتها بالنسبة إلى الدولة والمجتمع.
فاللغة المشتركة تستطيع أن تكون جسرًا بين المواطنين، وأن تمنحهم مساحة رمزية مشتركة يتواصلون من خلالها، خصوصًا في المجتمعات التي تتعدد فيها الجماعات والثقافات واللهجات. لكن ذلك لا يعني أن تصبح اللغة ذريعة لإلغاء هذا التنوع. على العكس، فإن الدولة التي تثق في هويتها لا تحتاج إلى محو الاختلافات لكي تحقق الوحدة.
الوحدة الوطنية لا تعني أن يتحدث الجميع بالطريقة نفسها، وإنما أن يجد الجميع مكانًا لهم داخل المجال العام.
ومن هنا يصبح التعامل مع اللغة قضية تتجاوز قواعد النحو والإملاء. إنها قضية تتصل بالتعليم والإعلام والثقافة والمؤسسات العامة، بل وبطريقة بناء الدولة نفسها. فاللغة التي تستخدمها المدرسة ليست مجرد لغة تعليم، واللغة التي تستخدمها وسائل الإعلام ليست مجرد أداة مهنية، واللغة التي تحضر في المؤسسات العامة ليست مجرد وسيلة إدارية؛ كلها تسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تحديد من يشعر بأنه جزء من المجال العام ومن يشعر بأنه يقف خارجه.
وفي عالم يتغير بسرعة، تواجه اللغات تحديًا جديدًا. لم يعد التحدي في انتشار لغة على حساب أخرى فحسب، وإنما في قدرة اللغة على أن تكون حاضرة في العلم والتكنولوجيا والاقتصاد والفضاء الرقمي. فاللغة التي لا تستطيع إنتاج المعرفة الحديثة، ولا استيعاب المفاهيم الجديدة، ولا الحضور في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية، معرضة لأن تتحول تدريجيًا من لغة حية إلى لغة تستعيد أمجاد الماضي أكثر مما تصنع المستقبل.
ولذلك فإن الدفاع عن اللغة لا ينبغي أن يتحول إلى دعوة للانغلاق. اللغة القوية ليست تلك التي تخشى اللغات الأخرى، وإنما تلك التي تستطيع أن تتفاعل معها دون أن تفقد قدرتها على إنتاج ذاتها.
إن المجتمعات لا تحافظ على لغاتها بمجرد الاحتفاء بها في المناسبات، أو إصدار البيانات التي تتحدث عن أهميتها، وإنما بجعلها قادرة على الحياة. تحتاج اللغة إلى مدرسة جيدة، وإعلام مسؤول، وإنتاج ثقافي متجدد، وترجمة نشطة، وحضور علمي، ومحتوى رقمي، وقدرة على التعبير عن أسئلة الإنسان المعاصر.
وربما يكون هذا هو الاختبار الحقيقي لأي سياسة لغوية جادة: هل تستطيع اللغة أن تتحدث عن المستقبل، أم أنها لا تزال مشغولة فقط بالدفاع عن الماضي؟
فالهوية ليست متحفًا نضع فيه ما ورثناه ونمنع الآخرين من الاقتراب منه. الهوية عملية مستمرة من إعادة تعريف الذات، واللغة هي إحدى أهم الأدوات التي تخوض بها المجتمعات هذه العملية.
لهذا، فإن الحفاظ على اللغة ليس عودة إلى الماضي، كما أن الانفتاح على اللغات الأخرى ليس بالضرورة تخليًا عن الهوية. التحدي الحقيقي هو أن نمتلك لغة تستطيع أن تحمل ذاكرتنا، وفي الوقت نفسه تستطيع أن تعبر عن أحلامنا.
فاللغة التي تحفظ الماضي مهمة، لكن اللغة التي تمنح المجتمع القدرة على تسمية مستقبله هي التي تصنع الهوية الحية.