اتفاق بكين أمام اختبار باب المندب: حدود المصالحة السعودية-الإيرانية والدور الصيني
بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني في بكين برعاية صينية، تبدو المصالحة بين الرياض وطهران أمام اختبار استراتيجي بالغ الحساسية، لا يتعلق هذه المرة بمستقبل العلاقات الدبلوماسية بين البلدين فحسب، وإنما بقدرة الاتفاق على الانتقال من مستوى إعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار إلى مستوى أكثر تعقيدًا يتمثل في الحد من مصادر التهديد غير المباشر للأمن الإقليمي.
وقد اكتسب هذا الاختبار أهمية خاصة مع تصاعد الاتهامات الموجهة إلى إيران بدعم جماعات مسلحة في اليمن والعراق، وفي ظل التحركات الحوثية بالقرب من مضيق باب المندب، وما يرتبط بذلك من مخاطر على أمن المملكة العربية السعودية وعلى سلامة الملاحة في البحر الأحمر. ووفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر عسكرية تابعة للحوثيين، فقد زار خبراء من الحرس الثوري الإيراني مناطق قرب باب المندب وميناء ومطار المخا، وأشرفوا على أعمال مرتبطة بالتحصينات والأنفاق، كما بحثوا تركيب رادارات في مواقع قريبة من المضيق.
بصرف النظر عن مدى دقة هذه التقارير أو طبيعة الدور الفعلي الذي يمكن أن تكون إيران قد اضطلعت به، فإن مجرد بروز هذه الاتهامات يكشف عن نقطة ضعف مركزية في بنية الاتفاق السعودي-الإيراني: الاتفاق نجح في إعادة العلاقات الرسمية بين دولتين متنافستين، لكنه يواجه اختبارًا أكثر صعوبة عندما يتعلق الأمر بالسلوك الإقليمي للشبكات والجماعات المسلحة المرتبطة بإيران.
ومن هنا، فإن السؤال الاستراتيجي لم يعد فقط: هل ما زالت العلاقات السعودية-الإيرانية قائمة؟ وإنما أصبح: هل تستطيع هذه العلاقات أن تنتج قيودًا فعلية على السلوكيات التي تهدد أمن الطرفين أو الأمن الإقليمي الأوسع؟
من المصالحة الدبلوماسية إلى اختبار السلوك الإقليمي
قام اتفاق بكين، وفق القراءة التي يقدمها الخبراء الواردة آراؤهم في التقرير، على ثلاثة مكونات رئيسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سنوات من القطيعة، وإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، والالتزام باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
ويمثل المكون الثالث جوهر الاختبار الحالي. فإعادة فتح السفارات وتبادل الزيارات والاتصالات الرسمية يمكن التحقق منها بسهولة نسبيًا، أما قياس مدى نجاح الاتفاق في الحد من التدخلات الإقليمية أو ضبط نشاط الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، فهو أكثر تعقيدًا.
وهنا تظهر الفجوة بين المصالحة الدبلوماسية والتسوية الاستراتيجية.
فالمصالحة تعني أن الرياض وطهران استطاعتا الانتقال من القطيعة إلى الحوار، لكنها لا تعني بالضرورة أن التنافس بينهما قد انتهى، أو أن الخلاف حول النفوذ الإقليمي قد حُسم. بل إن أحد التفسيرات الواردة في المادة يرى أن اتفاق بكين صُمم أساسًا لإعادة العلاقات وفتح قنوات التواصل، وليس لإنهاء التنافس الجيوسياسي بين البلدين أو تحويله إلى شراكة استراتيجية.
وعليه، فإن استمرار التنافس لا يمثل في حد ذاته انهيارًا للاتفاق. المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التنافس إلى تهديد مباشر لأمن أحد الطرفين أو إلى استخدام جماعات مسلحة كأدوات للضغط.
وهنا تحديدًا تبرز قضية باب المندب باعتبارها اختبارًا نوعيًا للاتفاق.
باب المندب: عندما يتحول التنافس إلى قضية أمن دولي
لا يمكن النظر إلى مضيق باب المندب باعتباره مجرد نقطة جغرافية في الصراع اليمني. فالممر يمثل جزءًا من منظومة أوسع للملاحة والتجارة والطاقة، وأي اضطراب مستمر فيه يتجاوز آثاره حدود السعودية واليمن إلى الأمن الاقتصادي والتجاري الإقليمي والدولي.
ومن هذه الزاوية، فإن التحركات الحوثية بالقرب من المضيق تكتسب أهمية استراتيجية مزدوجة. فهي من ناحية تضع أمن المملكة والممرات البحرية القريبة منها أمام تحديات مباشرة، ومن ناحية أخرى ترفع كلفة أي تصعيد في منطقة ترتبط بشبكات التجارة والطاقة العالمية.
وهذا هو السبب في أن حماية الملاحة البحرية لا يمكن اختزالها في مسؤولية دولة واحدة. فكلما اتسع نطاق التهديد للممرات البحرية، تحولت القضية من ملف أمني سعودي أو يمني إلى قضية ذات أبعاد دولية.
وبالتالي، فإن أي محاولة لاختبار صلابة المصالحة السعودية-الإيرانية من خلال باب المندب لا ينبغي أن تقتصر على السؤال المتعلق بمن أصدر الأمر أو من نفذ العملية، بل يجب أن تركز على السؤال الأوسع: هل توجد قدرة حقيقية على منع استخدام الجماعات المسلحة المرتبطة بأحد أطراف الاتفاق كأدوات لتغيير ميزان القوى الإقليمي؟
سياسة الوكلاء ومعضلة النفوذ الإيراني
تطرح قضية الحوثيين والفصائل المسلحة المرتبطة بإيران مشكلة أعمق في بنية العلاقات السعودية-الإيرانية، تتمثل في مسألة سياسة الوكلاء.
فبحسب التحليلات الواردة في المادة، تمثل الجماعات المسلحة إحدى الأدوات الرئيسية التي تستخدمها طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي، بينما يضطلع الحرس الثوري بدور في دعم وتدريب وتنظيم بعض هذه الجماعات.
وتكمن المعضلة في أن العلاقة بين الدولة والجماعة المسلحة لا تكون دائمًا علاقة قيادة وسيطرة مباشرة يمكن إثباتها بسهولة، وهو ما يجعل الاتفاقات بين الحكومات أكثر صعوبة عندما يتعلق الأمر بسلوك أطراف غير حكومية.
لكن من منظور الأمن الإقليمي، فإن هذه المسألة لا يمكن تجاهلها. فإذا كانت الجماعات المسلحة قادرة على تنفيذ سياسات تتعارض مع روح الاتفاق دون أن تتحمل الدول المرتبطة بها مسؤولية سياسية أو استراتيجية، فإن الاتفاقات الحكومية تصبح محدودة القدرة على إنتاج الأمن.
وهنا تظهر إحدى أهم القضايا التي يواجهها اتفاق بكين: هل يشمل الالتزام بعدم التدخل فقط الأفعال التي تقوم بها الدولة بصورة مباشرة، أم يمتد أيضًا إلى الجماعات التي ترتبط بها سياسيًا أو عسكريًا؟
هذه المسألة تمثل جوهر الاختبار الحقيقي للاتفاق.
الاتفاق لم يفشل بالضرورة... لكنه لم يحقق بعد تسوية للصراع
من الخطأ الاستراتيجي التعامل مع أي أزمة إقليمية باعتبارها دليلًا تلقائيًا على انهيار المصالحة.
فالرياض وطهران قد تتمكنان من الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية حتى في ظل استمرار التنافس في بعض الساحات الإقليمية. كما أن الاتفاق لم يكن، في الأساس، معاهدة لإنهاء كل الخلافات بين الطرفين.
لكن في المقابل، فإن استمرار العلاقات الدبلوماسية لا يكفي وحده لإثبات نجاح الاتفاق.
المعيار الأكثر أهمية هو ما إذا كان الاتفاق قادرًا على إنتاج قواعد سلوك جديدة تحد من احتمالات التصعيد، وتمنع تحول التنافس إلى تهديد مباشر للأمن.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن الاتفاق لا يواجه بالضرورة خطر الانهيار، لكنه يواجه خطرًا آخر أكثر تعقيدًا: أن يبقى قائمًا من الناحية الدبلوماسية، بينما تظل مصادر الصراع الإقليمي الأساسية خارج نطاق تأثيره.
وهذا يعني أن نجاح الاتفاق ينبغي ألا يقاس فقط باستمرار السفارات والاتصالات السياسية، بل بقدرته على التأثير في البيئة الأمنية المحيطة بالعلاقات السعودية-الإيرانية.
الصين: من راعٍ للاتفاق إلى ضامن لتنفيذه؟
هنا ينتقل الاختبار من الرياض وطهران إلى بكين.
فالصين لم تكن مجرد طرف شاهد على المصالحة، وإنما لعبت دورًا مركزيًا في التوصل إلى اتفاق بكين. ولذلك فإن استمرار التوترات المرتبطة باليمن والبحر الأحمر يطرح سؤالًا مباشرًا حول حدود المسؤولية الصينية.
لقد أثبتت بكين قدرتها على فتح الطريق أمام المصالحة، لكن السؤال الأصعب هو ما إذا كانت تمتلك الإرادة والقدرة على الانتقال من دور الوسيط إلى دور أكثر فاعلية في ضمان استمرار الاتفاق.
وهناك فارق جوهري بين الدورين.
فالوساطة تحتاج إلى القدرة على جمع الأطراف وتسهيل الحوار، بينما يتطلب الضمان السياسي قدرة على التأثير في سلوك الأطراف بعد انتهاء التفاوض.
وإذا كانت الصين تريد حماية مكانتها كقوة قادرة على لعب أدوار دبلوماسية في الشرق الأوسط، فإن اختبار باب المندب يضعها أمام معادلة دقيقة: كيف تحافظ على علاقاتها مع إيران، وفي الوقت نفسه تحمي مصالحها الاقتصادية والتجارية مع السعودية ودول الخليج، وتحافظ على أمن طرق التجارة البحرية؟
المصلحة الصينية في استقرار الخليج
لا تملك الصين مصلحة في أن تتحول منطقة الخليج والبحر الأحمر إلى ساحات تصعيد مفتوحة.
فالعلاقات الصينية مع دول الخليج ذات أهمية اقتصادية كبيرة، كما أن الصين تعتمد على المنطقة في الحصول على الطاقة، وتحتاج إلى استقرار الممرات البحرية التي ترتبط بالتجارة الدولية.
ولهذا، فإن عدم الاستقرار في باب المندب لا يمثل مشكلة سعودية أو إيرانية فقط؛ إنه يتعارض أيضًا مع المصالح الصينية بعيدة المدى.
لكن السياسة الصينية التقليدية، وفق ما يعكسه التقرير، تميل إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر. وهذا يخلق فجوة بين المصلحة الصينية في الاستقرار وبين الاستعداد الصيني للتدخل السياسي المباشر لتحقيقه.
ومن هنا فإن السؤال المطروح أمام بكين هو: هل ستكتفي بإبقاء قنوات الحوار مفتوحة، أم ستستخدم ثقلها السياسي والاقتصادي مع طهران بصورة أكثر وضوحًا لضمان احترام الاتفاق؟
السعودية أمام معادلة مزدوجة: الدبلوماسية والردع
في المقابل، تواجه الرياض معادلة دقيقة.
فالسعودية لديها مصلحة واضحة في الحفاظ على مسار المصالحة مع إيران، لأن استمرار الحوار يتيح إدارة الخلافات بعيدًا عن القطيعة والتصعيد المباشر. لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع التعامل مع التهديدات الأمنية باعتبارها مجرد خلافات دبلوماسية.
وهذا يفسر الجمع بين مسارين متوازيين:
المسار الأول: الحفاظ على قنوات الاتصال مع طهران.
المسار الثاني: تعزيز القدرات الأمنية والشراكات الإقليمية والدولية اللازمة لحماية المصالح السعودية.
وبهذا المعنى، فإن استمرار المصالحة لا يعني تخلي السعودية عن أدوات الردع أو حقها في حماية أمنها. كما أن اللجوء إلى أدوات الأمن لا يعني بالضرورة التخلي عن الدبلوماسية.
التحدي الحقيقي هو الحفاظ على التوازن بين المسارين بحيث لا يؤدي أحدهما إلى إلغاء الآخر.
البحر الأحمر كحلقة وصل بين الخليج والنظام الدولي
تكشف قضية باب المندب عن تحول مهم في طبيعة الأمن الإقليمي. فلم يعد أمن الخليج منفصلًا عن أمن البحر الأحمر، كما لم تعد الصراعات المحلية منفصلة عن الاقتصاد العالمي.
فأي تهديد للملاحة في باب المندب يمكن أن يؤثر في التجارة وسلاسل الإمداد والطاقة، الأمر الذي يجعل البحر الأحمر جزءًا من منظومة أمنية أوسع تمتد من الخليج إلى المحيط الهندي ثم إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
وهذا يجعل التنافس السعودي-الإيراني أكثر ارتباطًا بالنظام الدولي مما كان عليه في السابق.
فالرياض تنظر إلى أمنها من منظور إقليمي، وطهران تنظر إلى نفوذها من منظور استراتيجي أوسع، بينما تنظر الصين إلى المنطقة من منظور الطاقة والتجارة والاستثمار. وتتقاطع هذه الحسابات جميعًا في البحر الأحمر.
الاختبار الحقيقي: هل يستطيع الاتفاق إنتاج سلوك جديد؟
في المحصلة، لا تكمن أهمية التطورات المرتبطة بباب المندب في كونها أزمة جديدة بين السعودية وإيران فحسب، وإنما في أنها تكشف الحدود البنيوية لاتفاق بكين.
لقد نجح الاتفاق في تحقيق إنجاز دبلوماسي مهم: إعادة العلاقات بين دولتين ظلتا لسنوات في حالة مواجهة وتنافس. لكن الانتقال من إدارة القطيعة إلى إدارة التنافس يتطلب أكثر من إعادة العلاقات الدبلوماسية.
يتطلب ذلك قواعد واضحة للسلوك الإقليمي، وآليات للتحقق، وقدرة على معالجة أزمات الوكلاء والجماعات المسلحة، وضمان عدم تحول الساحات الإقليمية إلى أدوات للضغط المتبادل.
وهنا تحديدًا يظهر الدور الصيني بوصفه العنصر الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة. فإذا بقيت الصين في حدود دور الوسيط الذي جمع الطرفين، فإن الاتفاق سيظل معرضًا لاختبارات متكررة. أما إذا تمكنت من استخدام نفوذها السياسي والاقتصادي لدفع الأطراف نحو الالتزام الفعلي بمضامين الاتفاق، فإن تجربة بكين يمكن أن تتحول إلى نموذج أوسع للدبلوماسية الصينية في الشرق الأوسط.
لكن ذلك يضع الصين أمام معضلة حقيقية: التأثير في إيران دون خسارة العلاقة معها، وحماية مصالح الخليج دون التحول إلى طرف في صراعات المنطقة، والحفاظ على سياسة عدم التدخل مع ممارسة قدر كافٍ من الضغط السياسي لضمان الاستقرار.
وهكذا، فإن اختبار باب المندب لا يتعلق بالسعودية وإيران وحدهما. إنه اختبار ثلاثي الأبعاد: اختبار لإيران في مدى قدرتها على مواءمة نفوذها الإقليمي مع التزاماتها الدبلوماسية، واختبار للسعودية في قدرتها على الجمع بين الدبلوماسية والردع، واختبار للصين في قدرتها على تحويل الوساطة السياسية إلى نفوذ فعلي في إدارة الأزمات.
وفي النهاية، لن يكون المقياس الحقيقي لاستمرار اتفاق بكين هو بقاء العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران فحسب، وإنما قدرة الطرفين على منع التنافس من العودة إلى منطق استخدام ساحات الصراع والجماعات المسلحة، وقدرة بكين على التدخل الدبلوماسي عندما تهدد هذه الديناميات مصالحها ومصالح شركائها.
فالمصالحة التي تنجح في إعادة فتح السفارات قد تكون إنجازًا دبلوماسيًا، أما المصالحة التي تنجح في تغيير قواعد السلوك الإقليمي فهي وحدها التي يمكن أن تتحول إلى تسوية استراتيجية مستدامة.
