سيادة الدولة العراقية بين النفوذ الإيراني والضغوط الأميركية

تقارير وملفات - Foresight

 يواجه العراق تحديًا أمنيًا وسياسيًا معقدًا، في ظل تصاعد المخاوف من أن يكون إصرار بعض الفصائل المسلحة على الاحتفاظ بأسلحتها انعكاسًا لمحاولة الحفاظ على قدراتها العملياتية استعدادًا لاحتمال استئناف الحرب المرتبطة بإيران. وقد يؤدي مثل هذا السيناريو إلى إعادة تنشيط ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، في وقت تتعرض فيه الحكومة العراقية لضغوط متزايدة لمنع استخدام الأراضي العراقية منصةً لشن هجمات على دول المنطقة أو الأصول العسكرية الأجنبية.

ولا تقتصر هذه المسألة على قضية نزع سلاح الجماعات المسلحة من خارج مؤسسات الدولة، بل تمتد إلى طبيعة سلطة الدولة، وحدود سيطرة الحكومة على استخدام القوة، والعلاقة بين الفاعلين السياسيين المحليين ومراكز النفوذ الإقليمية، فضلًا عن تداعيات التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإيران على أمن العراق وسياسته الخارجية.

وتشير التطورات الأخيرة، بما في ذلك غياب تقدم ملموس في المفاوضات الرامية إلى إخضاع السلاح لسلطة الدولة، وتجدد رفض بعض الفصائل نزع سلاحها، والمخاوف من ظهور مجموعات مسلحة صغيرة تعمل عبر شبكات أقل وضوحًا، وتصاعد الضغوط الأميركية على بغداد بشأن علاقاتها الاقتصادية والحدودية مع طهران، إلى الترابط الوثيق بين هذه التحديات.

ومع ذلك، فإن التقييم الدقيق يقتضي التمييز بين التطورات المؤكدة، والتصريحات الرسمية، والادعاءات الأمنية التي لم تخضع للتحقق المستقل. ويُعد هذا التمييز ضروريًا لفهم المخاطر المحتملة دون افتراض أن جميع الفصائل المسلحة تتبنى الأهداف نفسها، أو أن اندلاع مواجهة إقليمية أمر حتمي.

احتكار استخدام القوة وحدود سلطة الدولة

تظل مسألة إخضاع السلاح لسلطة الدولة إحدى أكثر القضايا تأثيرًا في بنية النظام السياسي والأمني العراقي منذ عام 2003. فوجود تنظيمات مسلحة خارج نطاق القيادة الكاملة للمؤسسات الأمنية النظامية يفرض تحديًا بنيويًا على الحكومة، لا سيما عندما تتداخل أنشطة هذه التنظيمات مع الصراعات الإقليمية.

ووفقًا لمصادر سياسية مقربة من «الإطار التنسيقي»، وهو التحالف الرئيسي للقوى السياسية الشيعية، لم تحقق المفاوضات الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة تقدمًا عمليًا يُذكر. ولا تزال بعض الفصائل، بحسب هذه المصادر، تحتفظ بصواريخ وطائرات مسيّرة لم تُسلّمها إلى السلطات المختصة.

ويثير هذا الوضع سؤالًا جوهريًا يتعلق بطبيعة السيادة: هل تستطيع الحكومة العراقية أن تحدد بصورة مستقلة متى وأين وتحت أي ظروف يجوز استخدام القوة العسكرية داخل أراضيها؟

لا تقتصر المسألة على الجوانب المؤسسية أو الإدارية، بل تتصل أيضًا بتوزيع القوة السياسية داخل العراق. فبعض الفصائل المسلحة تمتلك نفوذًا سياسيًا وقواعد اجتماعية منظمة وقدرات عسكرية وعلاقات إقليمية، الأمر الذي يعقّد جهود دمج أنشطتها بصورة كاملة ضمن المنظومة الأمنية للدولة.

وبناءً على ذلك، لا يمكن بالضرورة تحقيق نزع السلاح من خلال قرار حكومي واحد أو ترتيب تقني محدود. بل يتطلب الأمر عملية سياسية أوسع تعالج العلاقة بين التنظيمات المسلحة ومؤسسات الدولة، والمخاوف الأمنية التي تستند إليها هذه التنظيمات، والآليات التي يمكن من خلالها إدماج أعضائها وقواعدها الاجتماعية في نظام سياسي وأمني مستقر.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن اختزال سلطة الحكومة في قدرتها على التفاوض مع هذه التنظيمات. فسيادة الدولة تعتمد كذلك على قدرتها على منع العمليات العسكرية غير المصرح بها، وحماية أراضيها، وضمان بقاء القرارات المتعلقة بالحرب والسلام ضمن نطاق المؤسسات الدستورية الشرعية.

ومن ثم، يتمثل التحدي أمام بغداد في تعزيز سلطة الدولة دون التسبب في مواجهات داخلية قد تؤدي إلى مزيد من زعزعة الاستقرار. ويتطلب ذلك الجمع بين الحوار السياسي، والإصلاح المؤسسي، وتوفير ضمانات أمنية موثوقة، والتطبيق المتسق للقانون.

الفصائل المسلحة واحتمالات تجدد المواجهة الإقليمية

تصاعدت المخاوف بشأن مستقبل الفصائل المسلحة العراقية في ظل التكهنات بأن تجدد المواجهة المرتبطة بإيران قد يدفع بعض الجماعات إلى استئناف الهجمات العابرة للحدود أو المشاركة في عمليات عسكرية إقليمية.

ومع ذلك، تشير تقديرات منسوبة إلى مصادر سياسية إلى أن بعض قادة الإطار التنسيقي لا يتوقعون أن تقدم الفصائل الكبرى على استهداف دول المنطقة دعمًا لإيران إذا استؤنفت الأعمال القتالية. ويستند هذا التقدير إلى أن مثل هذه العمليات قد تعرّض حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي لضغوط إقليمية ودولية متصاعدة.

ويكشف هذا التقدير عن تمييز مهم بين مصالح الدولة العراقية ومصالح التنظيمات المسلحة التي تحتفظ بروابط سياسية أو أيديولوجية مع إيران.

فالحكومة العراقية لديها مصلحة في الحفاظ على الاستقرار الداخلي، واستمرار العلاقات الاقتصادية مع الدول المجاورة، وتجنب الانخراط المباشر في صراع إقليمي. أما بعض الفصائل، فقد تنظر إلى التطورات من منظور أيديولوجي أو استراتيجي أوسع، ترى فيه أن دعم إيران أو الجماعات المتحالفة معها يمثل أولوية أكبر.

ومع ذلك، سيكون من غير الدقيق افتراض أن جميع الفصائل تتبنى الحسابات نفسها بالضرورة. فقد تختلف استعداداتها للمشاركة في العمليات الإقليمية وفقًا لأهدافها السياسية، وقدراتها العسكرية، وعلاقاتها بالجهات الخارجية، وتقديراتها للتكاليف المحتملة.

كما يشير الموقف المنسوب إلى بعض قادة الإطار التنسيقي إلى أن النفوذ السياسي داخل المعسكر السياسي الشيعي الأوسع لا يعني بالضرورة امتلاك سيطرة موحدة على جميع التنظيمات المسلحة المرتبطة به.

ويكتسب هذا التباين أهمية خاصة، لأن الحكومة قد تواجه تحديين متزامنين: التفاوض مع الفصائل الكبرى التي تمتلك هياكل سياسية وعسكرية راسخة، والاستعداد لاحتمال قيام مجموعات أصغر بعمليات مستقلة أو عبر شبكات تحجب ارتباطاتها التنظيمية.

وبالتالي، لا يتمثل الخطر المركزي بالضرورة في اتخاذ جميع الفصائل الكبرى قرارًا منسقًا بالدخول في حرب إقليمية، بل قد ينشأ من تشتت القرار، أو تضارب الولاءات، أو تحركات جماعات منفردة يمكن أن تؤدي عملياتها إلى تداعيات تتجاوز أهدافها المباشرة.

«فصائل الظل» وتحدي تحديد المسؤولية

يمثل احتمال لجوء مجموعات مسلحة صغيرة إلى تنفيذ هجمات عبر هياكل تنظيمية أقل وضوحًا مصدرًا إضافيًا لعدم اليقين في البيئة الأمنية العراقية.

ووفقًا لمصادر نقلت عنها صحيفة «المدى» العراقية، قد يرتبط الإغلاق المؤقت لمنفذ الشيب الحدودي في محافظة ميسان، ليس فقط بالأسباب الفنية التي أعلنتها الحكومة، بل أيضًا بمخاوف من احتمال عودة ما تصفه المصادر بـ«فصائل الظل». ويُقال إن هذه المجموعات صغيرة الحجم، ويتراوح عدد أفرادها بين خمسة وعشرة أشخاص، ويُشتبه في قدرتها على تنفيذ هجمات يصعب إسنادها مباشرة إلى تنظيمات أكبر.

ويشير التقرير كذلك إلى أن الأجهزة الأمنية كثفت مراقبة المواقع التي يُشتبه في استخدامها للإعداد لهجمات أو شنها خلال الأسبوعين السابقين. ووفقًا للتقديرات التي نقلتها الصحيفة، انتقلت الهجمات التي استهدفت السعودية من مناطق في صحراء النجف خلال يوليو إلى محيط منفذ الشيب في سبتمبر.

وإذا ثبتت صحة هذه المعلومات، فقد تشير إلى تغير في أساليب عمل بعض الجماعات المسلحة، ولا سيما محاولتها الابتعاد عن المواقع الخاضعة لرقابة مشددة واستغلال مناطق بديلة لتنفيذ عملياتها.

ومع ذلك، فإن المعلومات المتاحة لا تثبت بصورة مستقلة هوية الجماعات المعنية، أو طبيعة الروابط التنظيمية بينها وبين الفصائل الأكبر، أو الظروف الدقيقة للهجمات المزعومة. ولذلك، تظل ضرورة التمييز بين الشبهات المعلنة والأدلة المثبتة أمرًا أساسيًا.

ومن منظور أمني، فإن ظهور مجموعات صغيرة أقل وضوحًا قد يعقّد استجابة الحكومة بعدة طرق.

أولًا، يجعل تحديد المسؤولية أكثر صعوبة، إذ قد تُنفذ الهجمات دون وجود تسلسل قيادي واضح يمكن التعرف إليه مباشرة.

ثانيًا، قد يزيد احتمالات التصعيد، نتيجة الغموض بشأن ما إذا كان الحادث يعكس مبادرة منفردة، أو حملة منسقة، أو عملية تحظى بدعم تنظيم أكبر.

ثالثًا، قد يعرّض العراق لتداعيات دبلوماسية واقتصادية حتى عندما لا تكون الحكومة قد أجازت العملية أو دعمتها.

ويضع ذلك الحكومة أمام معضلة أمنية وسياسية. فإذا نسبت المسؤولية عن كل هجوم مشتبه فيه إلى فصيل كبير دون أدلة كافية، فإنها تخاطر بتفاقم التوترات الداخلية. أما إذا أخفقت في التحقيق والرد بفاعلية، فقد تتراجع الثقة في قدرتها على حماية الأراضي العراقية ومنع التهديدات العابرة للحدود.

ومن ثم، تتوقف الاستجابة المناسبة على توافر معلومات استخباراتية موثوقة، وإجراءات واضحة لإسناد المسؤولية متى أمكن، وتدابير أمنية تستهدف منع الهجمات غير المصرح بها دون التعامل مع الادعاءات غير المثبتة باعتبارها حقائق مؤكدة.

منفذ الشيب الحدودي وتداخل الأمن مع السيادة

يوضح الإغلاق المؤقت لمنفذ الشيب كيف يمكن لإدارة الحدود أن تتداخل مع التوترات الجيوسياسية الأوسع.

فقد أكدت الحكومة العراقية أن الإغلاق إجراء مؤقت يهدف إلى رفع الكفاءة التشغيلية، ونفى المتحدث باسم الحكومة، حيدر العبودي، أن يكون القرار ذا دوافع سياسية، واصفًا إياه بأنه إجراء إداري بحت.

وفي الوقت نفسه، ظهرت قراءة مختلفة في تصريحات منسوبة إلى عبد الأمير تعيبان، مستشار رئيس الوزراء، الذي اتهم إيران بارتكاب انتهاكات خطيرة تمس السيادة العراقية وتسهم في إحداث اضطراب على الحدود العراقية الإيرانية. كما اتهم أنشطة غير مشروعة، تتعلق بالعملات المزورة والمخدرات، بالإضرار بالاقتصاد الوطني.

وتكشف هذه التصريحات المتباينة عن تعدد وظائف إدارة الحدود. فالمعابر الحدودية ليست مجرد مرافق تجارية، بل تمثل أيضًا أدوات لإنفاذ القوانين الجمركية، ومراقبة الهجرة، وتعزيز الرقابة الأمنية، وحماية السيادة الوطنية.

وتتسم المسألة بتعقيد خاص بالنسبة إلى العراق، نظرًا إلى أن علاقته بإيران تشمل تجارة واسعة النطاق، وتداخلًا جغرافيًا، وروابط سياسية، واعتبارات أمنية. ولذلك، فإن أي قيود كبيرة على حركة العبور قد تترتب عليها تكاليف اقتصادية، فضلًا عن تداعيات دبلوماسية.

فإذا كان الإغلاق إداريًا بالدرجة الأولى، فينبغي تقييم فعاليته وفقًا للأداء التشغيلي، والإجراءات الجمركية، وإدارة حركة العبور. أما إذا كانت الاعتبارات الأمنية قد أسهمت فيه، فينبغي على الحكومة توضيح كيفية مساهمة التدابير المتخذة في مكافحة التهريب والأنشطة المسلحة غير المصرح بها.

وتكتسب هذه التفرقة أهمية لأن تفسير الإجراءات الحدودية سياسيًا قد يؤثر في علاقات بغداد بكل من طهران وواشنطن. فقد يُنظر إلى إجراء يُقدَّم باعتباره تعديلًا فنيًا على أنه مؤشر إلى تحول استراتيجي أوسع، خصوصًا عندما يُتخذ في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ومن ثم، تواجه بغداد تحديًا يتمثل في إحكام السيطرة على حدودها دون السماح للخلافات السياسية الداخلية أو الضغوط الخارجية بأن تحدد سياساتها بصورة تلقائية.

الضغوط الأميركية وحدود الاستقلال الاستراتيجي العراقي

تضيف الضغوط الأميركية المبلغ عنها على بغداد لإغلاق مزيد من المعابر الحدودية مع إيران بُعدًا اقتصاديًا إلى التحدي الأمني.

ووفقًا لمصدرين سياسيين نقل عنهما التقرير، مارست واشنطن ضغوطًا على العراق لتقييد التجارة وحركة العبور عبر معابر إضافية. وأشار أحد المصدرين إلى أن وزارة الخزانة الأميركية أثارت المسألة مع رئيس الوزراء علي الزيدي خلال زيارته نيويورك في سبتمبر.

وتشير هذه التطورات، بحسب ما ورد في التقرير، إلى أن واشنطن قد تسعى إلى استخدام نفوذها الاقتصادي والمالي للحد من وصول إيران إلى الشبكات التجارية الإقليمية، وتقليص الموارد المتاحة للمؤسسات أو الجهات الإيرانية الخاضعة للعقوبات الأميركية.

غير أن تداعيات ذلك على العراق تتجاوز مسألة الامتثال للمطالب الأميركية. فالاقتصاد العراقي يعتمد جزئيًا على التجارة مع الدول المجاورة، ومنها إيران، في حين يظل النظام المالي العراقي وعلاقاته التجارية الدولية عرضة لتأثير العقوبات والقيود التي تفرضها القوى الدولية الكبرى.

ويضع ذلك بغداد في موقف بالغ التعقيد. فقد يساعد الاستجابة للمطالب الأميركية على تقليل مخاطر العقوبات المالية أو المواجهة الدبلوماسية مع واشنطن، لكن فرض قيود مفرطة على التجارة مع إيران قد يفرض تكاليف اقتصادية ويثير مقاومة سياسية داخل العراق.

وفي المقابل، فإن عدم الاستجابة للمخاوف الأميركية قد يعرض العراق لضغوط تتعلق بالمعاملات المالية، أو النفاذ التجاري، أو العلاقات الثنائية الأوسع.

ومن ثم، يتمثل التحدي في الحفاظ على استقلالية القرار العراقي مع إدارة العلاقات مع البلدين. ويتطلب ذلك التمييز بين المصالح الأمنية والاقتصادية المشروعة للعراق والأهداف الاستراتيجية التي تسعى القوى الخارجية إلى تحقيقها.

وينبغي أن تقوم السياسة المستدامة على معايير قانونية واضحة، وإنفاذ مستهدف للقانون في مواجهة الأنشطة غير المشروعة، وتقييم دقيق للتداعيات الاقتصادية للقيود المفروضة على الحدود. فالإجراءات الواسعة التي تعطل التجارة المشروعة دون إثبات فوائدها الأمنية بوضوح قد تفرض تكاليف كبيرة دون معالجة جذور المشكلة السياسية.

وعلى نحو أعمق، فإن قدرة العراق على تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الخارجي تعتمد على تعزيز مؤسساته، وضمان اتخاذ القرارات المتعلقة بالتجارة والحدود والأمن وفقًا للأولويات الوطنية، لا استجابةً حصرية للمطالب المتعارضة للقوى الخارجية.

الأمن البحري واتساع نطاق المخاطر إلى ما وراء الحدود البرية

تشير الحادثة المبلغ عنها بشأن الطائرات المسيّرة بالقرب من ناقلة نفط في المياه المقابلة لمحافظة البصرة إلى أن التحديات الأمنية العراقية لا تقتصر على الحدود البرية أو أنشطة الفصائل المسلحة داخل الأراضي العراقية.

ووفقًا لمصدر أمني في البصرة، سقطت طائرة مسيّرة في البحر على بعد نحو 200 متر من ناقلة نفط ورد اسمها في التقرير بصيغة «كوردون إيغل». وكانت القوة البحرية العراقية قد تلقت معلومات من طاقم الناقلة تفيد برصد طائرتين مسيّرتين؛ سقطت إحداهما في المياه، بينما اختفت الأخرى.

ولا تثبت المعلومات المتاحة مصدر الطائرتين أو الأهداف التي كانتا تستهدفانها أو ارتباط الحادثة بتنظيم مسلح بعينه. وتتطلب هذه المسائل تحقيقًا مستقلًا قبل إسناد المسؤولية إلى أي طرف.

ومع ذلك، تسلط الحادثة الضوء على هشاشة البنية التحتية البحرية وحركة الشحن التجاري خلال فترات التوتر الإقليمي.

فصادرات النفط العراقية تمثل عنصرًا أساسيًا في المالية العامة والاستقرار الاقتصادي. ولذلك، فإن استمرار التهديدات التي تستهدف السفن أو المنشآت البحرية أو طرق النقل قد يترتب عليه أثر يتجاوز المخاوف الأمنية المباشرة، ليشمل الإيرادات الحكومية، وتكاليف التأمين، وثقة المستثمرين، واستمرارية الصادرات.

كما تنطوي الحوادث البحرية على مخاطر التصعيد غير المقصود. فقد تثير رؤية طائرة مسيّرة مجهولة بالقرب من سفينة تجارية شكوكًا بشأن وجود نشاط عدائي، خصوصًا إذا تكررت حوادث مماثلة في مناطق أخرى من الإقليم. وفي غياب الإسناد الموثوق للمسؤولية والاتصالات الفعالة، قد تسهم هذه الحوادث في توسيع دائرة الاتهامات والتدابير الانتقامية.

ولهذا، فإن حماية البنية التحتية البحرية تتطلب أكثر من زيادة الدوريات. فهي تعتمد أيضًا على تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق بين السلطات البحرية والمدنية، والتواصل مع مشغلي السفن التجارية، وتطوير إجراءات للتحقيق في الحوادث قبل اتخاذ قرارات سياسية أو عسكرية.

وبالتالي، ينبغي فهم الحادثة قبالة البصرة باعتبارها مؤشرًا تحذيريًا إلى طبيعة البيئة الإقليمية الأوسع، وليس دليلًا قاطعًا على مسؤولية طرف معين.

الدبلوماسية العراقية والبحث عن خفض التصعيد الإقليمي

بالتوازي مع هذه التطورات الأمنية، واصلت بغداد اتصالاتها الدبلوماسية مع الحكومات الإقليمية بهدف الحد من التوترات وتهيئة الظروف للتوصل إلى تفاهمات سلمية.

وأفادت وزارة الخارجية العراقية بأن وزير الخارجية فؤاد حسين أجرى اتصالًا هاتفيًا مع نظيره الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان، لبحث الخيارات المتاحة لتيسير التوصل إلى تفاهمات سلمية من شأنها خفض التوترات الإقليمية وتعزيز الأمن والاستقرار.

وتعكس هذه الاتصالات رغبة العراق في منع امتداد المواجهات الإقليمية إلى أراضيه. كما توضح الدور المحتمل للدبلوماسية العراقية في الحفاظ على قنوات الاتصال بين الدول التي تختلف مصالحها الأمنية واصطفافاتها السياسية.

ومع ذلك، تعتمد فعالية هذه الجهود على إمكانية ترجمة الانخراط الدبلوماسي إلى ترتيبات عملية، قد تشمل التزامات باحترام السيادة العراقية، وتدابير لمنع شن هجمات من الأراضي العراقية، وقنوات اتصال لمعالجة الحوادث الأمنية، وتفاهمات إقليمية أوسع تستهدف تقليل احتمالات التصعيد العسكري.

ويتعقد الموقف الدبلوماسي العراقي بسبب علاقاته مع كل من إيران والولايات المتحدة، فضلًا عن روابطه الاقتصادية والسياسية بالدول العربية. ولذلك، يتعين على بغداد تجنب الظهور باعتبارها أداة في يد أي قوة إقليمية أو دولية منفردة.

ولا يتطلب الحفاظ على هذا الموقف الحياد في كل القضايا، بل يستلزم الالتزام بصورة متسقة بالسيادة العراقية، ومنع العمليات المسلحة غير المصرح بها، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.

وفي هذا السياق، لا تمثل الدبلوماسية وتعزيز سلطة الدولة هدفين متعارضين، بل يكمل أحدهما الآخر. فكلما ازدادت قدرة العراق على ضبط استخدام القوة داخل أراضيه، تعززت مصداقيته بوصفه طرفًا قادرًا على الإسهام في الوساطة الإقليمية. وفي المقابل، فإن استمرار الغموض بشأن الجهة المسؤولة عن العمليات العسكرية قد يقوض المبادرات الدبلوماسية ويعرض العراق لضغوط تتجاوز قدرته المؤسسية على التعامل معها.

العراق بين السيادة الداخلية والتنافس الإقليمي

تكشف التطورات الواردة في التقرير عن مجموعة من التحديات المترابطة التي تواجه العراق، تشمل عدم اكتمال عملية إخضاع السلاح لسلطة الدولة، واحتمالات تجدد المواجهة الإقليمية المرتبطة بإيران، والمخاوف من نشاط مجموعات مسلحة صغيرة تعمل عبر شبكات أقل وضوحًا، والضغوط الأميركية بشأن العلاقات الاقتصادية مع طهران، فضلًا عن هشاشة البنية التحتية الحدودية والبحرية.

ولا ينبغي تفسير هذه التحديات باعتبارها دليلًا على حتمية اندلاع حرب إقليمية جديدة، أو على أن جميع الفصائل المسلحة العراقية تستعد للمشاركة فيها. بل تشير المعلومات المتاحة إلى بيئة أمنية تتسم بعدم اليقين، وتعدد مراكز القوة، وتعارض الحسابات الاستراتيجية، واحتمال اكتساب الحوادث المحلية تداعيات إقليمية أوسع.

وتتمثل المسألة الأساسية في قدرة الدولة العراقية على تعزيز سيطرتها على القرارات الأمنية، مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي وإدارة علاقاتها الخارجية بصورة متوازنة.

ويتطلب ذلك اتباع مقاربة شاملة تجمع بين الحوار السياسي مع الفصائل المسلحة، والتعزيز التدريجي لمؤسسات الدولة، ورفع كفاءة أمن الحدود والمياه الإقليمية، والتحقيق الموثوق في الهجمات، والانخراط الدبلوماسي الرامي إلى منع التصعيد الإقليمي.

كما يتطلب الاعتراف بحدود النفوذ الخارجي؛ إذ لا يمكن للضغوط الأميركية ولا للروابط السياسية والأمنية الإيرانية أن تحل محل إطار مؤسسي عراقي قادر على إنفاذ القانون واتخاذ قرارات مستقلة بشأن الأمن القومي.

وفي نهاية المطاف، لا يقتصر التحدي الاستراتيجي أمام العراق على منع استخدام أراضيه في مواجهة مستقبلية، بل يتمثل في بناء نظام سياسي وأمني لا يستطيع فيه أي طرف داخلي أو خارجي أن يقرر بصورة منفردة متى تتحول الأراضي العراقية إلى ساحة للعمليات العسكرية.

وسوف تحدد قدرة بغداد على تحقيق هذا الهدف ليس فقط مستقبل الفصائل المسلحة وتوازنات القوة داخل العراق، بل أيضًا مدى قدرتها على حماية مصالحها الاقتصادية، وصون سيادتها، والإسهام في استقرار المنطقة.