إحياء تجمع الساحل والصحراء.. هل تدفع التحديات الأمنية نحو إعادة بناء التعاون الإقليمي؟
تفرض التحولات الأمنية المتسارعة في منطقة الساحل والصحراء إعادة النظر في آليات التعاون الإقليمي التي تراجعت فاعليتها خلال العقد الماضي. فتصاعد نشاط الجماعات الإرهابية، وانتشار شبكات الجريمة المنظمة والتهريب، وتزايد الهجرة غير النظامية، إلى جانب هشاشة الحدود واتساع المساحات غير الخاضعة لرقابة أمنية كافية، جعلت التحديات التي تواجه دول المنطقة أكبر من قدرة أي دولة على التعامل معها منفردة.
في هذا السياق، تكتسب التحركات المصرية والليبية والتشادية لإعادة تنشيط تجمع دول الساحل والصحراء أهمية تتجاوز استئناف نشاط مؤسسة إقليمية شبه مجمدة. فما يجري يعكس محاولة لإعادة بناء إطار للتنسيق بين شمال أفريقيا ومنطقة الساحل في وقت تعاني فيه الأخيرة من تحولات سياسية وأمنية عميقة.
وجاء الاجتماع الثلاثي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيره التشادي أحمد كوقوري، والمكلف بوزارة الخارجية في حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة الطاهر الباعور، على هامش «منتدى العلمين - أفريقيا»، ليضع ملف إعادة تفعيل التجمع مجددًا على جدول الأعمال الإقليمي.
لكن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بإمكانية عقد اجتماع وزاري أو قمة جديدة، وإنما بما إذا كانت الظروف الإقليمية الراهنة قادرة على منح تجمع الساحل والصحراء وظيفة جديدة تختلف عن الدور الذي أُنشئ من أجله قبل نحو ثلاثة عقود.
الأمن يعيد تشكيل أولويات التجمع
تأسس تجمع دول الساحل والصحراء في طرابلس عام 1998 في سياق إقليمي مختلف جذريًا عن الوضع الراهن. وكان الطموح الأساسي آنذاك مرتبطًا بتوسيع التعاون والتكامل الاقتصادي بين دول المنطقة، في إطار رؤية أفريقية أوسع دفعت بها ليبيا في عهد معمر القذافي.
لكن البيئة التي يتحرك فيها التجمع اليوم تغيرت بصورة كبيرة.
فمنطقة الساحل أصبحت واحدة من أكثر المناطق تعرضًا للاضطرابات الأمنية في أفريقيا، في ظل انتشار الجماعات المسلحة وشبكات تهريب البشر والأسلحة والمخدرات، وتداخل الجريمة المنظمة مع النزاعات المحلية وحركات التمرد.
ويعني ذلك أن محاولة إعادة إحياء التجمع لن تنطلق بالضرورة من بوابة التكامل الاقتصادي التي شكلت جزءًا من فلسفته الأصلية، وإنما من الحاجة إلى بناء آلية أوسع للأمن الإقليمي.
وتكشف الملفات التي ناقشها وزراء خارجية مصر وليبيا وتشاد هذا التحول بوضوح، إذ تصدرت قضايا مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية وبناء القدرات الأمنية للدول الأعضاء المناقشات المتعلقة بمستقبل التجمع.
وهنا تكمن إحدى أهم فرص إعادة إحيائه: تحويله من إطار واسع للتعاون السياسي والاقتصادي إلى منصة عملية لتنسيق السياسات الأمنية بين دول شمال أفريقيا والساحل.
لماذا تحتاج المنطقة إلى إطار عابر للحدود؟
تكمن المشكلة الأساسية في طبيعة التهديدات التي تواجه الساحل والصحراء نفسها.
فالحدود السياسية في المنطقة تمتد عبر مساحات صحراوية شاسعة يصعب تأمينها بالكامل، بينما تعمل شبكات التهريب والتنظيمات المسلحة عبر هذه الحدود باعتبارها فضاءً واحدًا للحركة.
وتنتقل الأسلحة والمقاتلون وشبكات الهجرة والتهريب من دولة إلى أخرى بسرعة تجعل الاستجابات الوطنية المنفردة محدودة الفاعلية.
لذلك فإن التعامل مع هذه التهديدات يحتاج إلى مستوى من تبادل المعلومات والتنسيق الحدودي وبناء القدرات والتدريب المشترك لا يمكن تحقيقه بصورة كاملة من خلال العلاقات الثنائية وحدها.
وهنا يمكن أن يستعيد تجمع الساحل والصحراء أهميته.
فامتداده الجغرافي يمنحه ميزة استثنائية؛ إذ يجمع دولًا من شمال أفريقيا وغربها ووسطها وشرقها، ويغطي جزءًا كبيرًا من الحزام الجغرافي الذي تمر عبره شبكات الهجرة والتهريب والجماعات المسلحة.
وإذا استطاع التجمع بناء آليات دائمة لتبادل المعلومات الأمنية وتنسيق مراقبة الحدود ومواجهة الشبكات الإجرامية، فقد يتحول اتساعه الجغرافي من عبء مؤسسي إلى مصدر قوة.
مصر وليبيا وتشاد.. مثلث جغرافي للأمن الإقليمي
يكتسب التنسيق بين مصر وليبيا وتشاد أهمية خاصة بسبب الموقع الجغرافي للدول الثلاث.
فليبيا تمثل نقطة اتصال بين شمال أفريقيا وعمق الساحل، بينما تشكل تشاد إحدى الدول المركزية في الحزام الساحلي، في حين ترتبط مصر بحدود مباشرة مع ليبيا وتمتلك مصالح أمنية واسعة مرتبطة باستقرار جوارها الغربي والعمق الأفريقي.
ومن هنا لا يمكن فصل أمن الدول الثلاث عن بعضها بعضًا.
فأي تدهور أمني في الساحل يمكن أن يمتد شمالًا عبر الحدود الليبية، كما أن استمرار هشاشة بعض المناطق الحدودية يوفر بيئة مناسبة لشبكات التهريب والجريمة المنظمة.
وبالتالي فإن التعاون الثلاثي لا يرتبط فقط بإعادة إحياء مؤسسة إقليمية، وإنما بمحاولة بناء حزام من التنسيق يمتد من البحر المتوسط شمالًا إلى العمق الأفريقي جنوبًا.
وقد يصبح هذا المثلث أحد المحركات الرئيسية لإعادة تشغيل تجمع الساحل والصحراء إذا نجحت الدول الثلاث في تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات مؤسسية مستدامة.
عودة التجمع إلى ليبيا ودلالاتها
يحمل استئناف نشاط التجمع في ليبيا أهمية سياسية ورمزية.
فقد تأسس التجمع في طرابلس عام 1998 بمبادرة ليبية، وظلت ليبيا لسنوات مركزًا رئيسيًا لنشاطه. لكن سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 وما أعقبه من اضطرابات سياسية وأمنية أدى إلى انتقال مقر الأمانة العامة إلى العاصمة التشادية أنجمينا وتراجع الدور الليبي داخل المؤسسة.
لذلك فإن عودة اجتماعات التجمع إلى طرابلس تمثل محاولة لإعادة ربط المؤسسة بجذورها، لكنها تعكس أيضًا سعي ليبيا إلى استعادة جزء من دورها الأفريقي.
وقد اتفقت مصر وليبيا وتشاد على العمل من أجل عقد الدورة الثانية والعشرين للمجلس التنفيذي للتجمع في طرابلس، تمهيدًا لقمة لرؤساء الدول والحكومات في أنجمينا.
وإذا تحقق ذلك، فقد يمثل الانتقال من الاجتماعات التشاورية إلى استعادة الهياكل المؤسسية خطوة أولى نحو إعادة بناء فاعلية التجمع.
غير أن العودة إلى طرابلس وحدها لن تكون كافية. فنجاح التجمع سيتوقف على قدرته على تجاوز الإرث السياسي المرتبط بمرحلة تأسيسه والتحول إلى مؤسسة تستجيب للتحديات الحالية.
من مشروع سياسي إلى ضرورة وظيفية
ارتبط تجمع الساحل والصحراء في بداياته بطموحات سياسية أفريقية واسعة تبناها القذافي، ووصلت في بعض مراحلها إلى الحديث عن مشروع «الولايات المتحدة الأفريقية».
لكن البيئة السياسية الأفريقية الحالية تجعل إعادة إنتاج تلك الرؤية أمرًا غير واقعي.
الفرصة الأكثر أهمية أمام التجمع اليوم تكمن في الانتقال من المشاريع السياسية الكبرى إلى وظائف عملية محددة.
فبدلًا من محاولة بناء إطار واسع ذي طموحات اندماجية ضخمة، يمكن التركيز على عدد محدود من الملفات التي تمتلك فيها الدول الأعضاء مصالح مشتركة مباشرة: أمن الحدود، مكافحة الإرهاب، مواجهة الجريمة المنظمة، الهجرة غير النظامية، البنية التحتية العابرة للحدود، وتسهيل التجارة.
هذا التحول من الطموح السياسي إلى الوظيفة العملية قد يكون شرطًا أساسيًا لاستمرار التجمع.
فالمؤسسات الإقليمية لا تستعيد أهميتها بمجرد عقد القمم، وإنما عندما تقدم للدول الأعضاء أدوات لا تستطيع الحصول عليها بسهولة من خلال العمل المنفرد.
الطريق الثلاثي.. الأمن يلتقي بالتنمية
يبرز مشروع الطريق الاستراتيجي بين مصر وليبيا وتشاد بوصفه نموذجًا آخر لفكرة الربط بين الأمن والتنمية.
فالمشروع الذي يستهدف إنشاء محور بري يربط الدول الثلاث وصولًا إلى البحر الأحمر لا يحمل أهمية تجارية فقط، وإنما يمكن النظر إليه باعتباره جزءًا من محاولة إعادة تشكيل الترابط بين شمال أفريقيا وعمق القارة.
ويمكن لشبكات الطرق والتجارة العابرة للحدود أن توفر بدائل اقتصادية للمناطق التي تعتمد بعض مجتمعاتها على أنشطة غير رسمية أو شبكات تهريب، كما تساعد على دمج المناطق الحدودية بصورة أكبر في الاقتصادات الوطنية.
لكن البنية التحتية نفسها تحتاج إلى بيئة أمنية مستقرة.
ومن هنا تظهر العلاقة المتبادلة بين التنمية والأمن: فلا يمكن تحقيق التكامل الاقتصادي من دون تأمين طرق التجارة والحدود، كما يصعب بناء استقرار طويل الأمد من خلال المقاربة الأمنية وحدها من دون توفير فرص اقتصادية وتنموية.
ويمكن لتجمع الساحل والصحراء، إذا أعيد تصميم أولوياته، أن يصبح مساحة تجمع بين المسارين بدل التعامل معهما بوصفهما ملفين منفصلين.
تحديات إعادة الإحياء
رغم الحاجة المتزايدة إلى التعاون، تواجه عملية إعادة تنشيط التجمع مجموعة من العقبات.
أولها العدد الكبير للدول الأعضاء واختلاف أولوياتها السياسية والأمنية والاقتصادية. فالتحديات التي تواجه دول شمال أفريقيا ليست مطابقة بالضرورة لتلك التي تواجه دول غرب أفريقيا أو القرن الأفريقي.
وثانيها تعدد المؤسسات الإقليمية العاملة في القارة، إذ يتداخل تجمع الساحل والصحراء مع أطر أفريقية وإقليمية أخرى، الأمر الذي يفرض ضرورة تحديد الوظيفة التي يستطيع القيام بها من دون تكرار أدوار مؤسسات قائمة.
أما التحدي الثالث فيتعلق بالقدرة المؤسسية والتمويل. فإعادة تشغيل الأمانة العامة وعقد القمم لن يكونا كافيين إذا لم تتوافر موارد وآليات تنفيذ ومتابعة للقرارات.
كما أن التحولات السياسية التي شهدتها منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة أوجدت تباينات في علاقات دول المنطقة مع القوى الدولية وفي تصوراتها للأمن الإقليمي، وهو ما قد يجعل بناء توافق واسع أكثر تعقيدًا.
هل يولد تجمع جديد من المؤسسة القديمة؟
قد تكون المفارقة أن الأزمة التي ساهمت في إضعاف تجمع الساحل والصحراء خلال السنوات الماضية هي نفسها التي تمنحه اليوم فرصة جديدة.
فالمنطقة التي تأسس التجمع من أجل تعزيز التعاون داخلها أصبحت أكثر ترابطًا أمنيًا من أي وقت مضى. ولم تعد الأزمات محصورة داخل حدود الدول، بل أصبحت تتحرك عبرها.
لهذا فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت دول الساحل والصحراء تحتاج إلى التعاون، بل أي نوع من التعاون تحتاج إليه.
إذا اقتصرت عملية الإحياء على عقد الاجتماعات وإعادة تشغيل الهياكل القديمة، فقد يظل التجمع مؤسسة محدودة التأثير. أما إذا أعيد تعريف دوره حول مجموعة واضحة من الأولويات، وفي مقدمتها أمن الحدود وتبادل المعلومات ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية وربط ذلك بمشروعات التنمية والبنية التحتية، فقد يجد لنفسه وظيفة جديدة.
وعندها لن يكون الهدف استعادة تجمع الساحل والصحراء كما كان في نهاية تسعينيات القرن الماضي، بل بناء صيغة جديدة منه تستجيب لواقع إقليمي مختلف جذريًا.
فالاختبار الحقيقي ليس في قدرة الدول الأعضاء على إعادة المؤسسة إلى الحياة، وإنما في قدرتها على تحويلها من إرث إقليمي قديم إلى أداة قادرة على التعامل مع أخطر تحديات الساحل والصحراء في المرحلة المقبلة.
