كيف يعيد الحوثيون تشكيل معادلة الضغط في الشرق الأوسط؟

تحليلات - Foresight

لا تبدو أزمة الملاحة في الشرق الأوسط مجرد امتداد جانبي للصراع بين الولايات المتحدة وإيران، بل تتحول تدريجياً إلى إحدى أهم ساحات الضغط في الحرب الإقليمية. فبينما تركز واشنطن على مضيق هرمز بوصفه الشريان الرئيسي لتدفق الطاقة، يواصل الحوثيون في اليمن الضغط على الطرف الآخر من المعادلة عبر تهديد باب المندب، الممر الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن.

وبذلك، باتت إيران وحلفاؤها يمتلكون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، القدرة على الضغط على أكثر من عقدة بحرية في الوقت نفسه. وهذه المعادلة تمنح الصراع بعداً اقتصادياً يتجاوز ساحات القتال التقليدية، إذ يمكن لأي اضطراب في حركة الملاحة أن ينعكس سريعاً على أسعار النفط والغاز، وتكاليف النقل والتأمين، وسلاسل الإمداد العالمية.

والأهم أن الخطر الحوثي لا يحتاج بالضرورة إلى إغلاق باب المندب بصورة كاملة حتى يحقق أهدافه. يكفي أن تصبح حركة السفن أكثر خطورة وكلفة، وأن تضطر شركات الشحن والطاقة إلى إعادة حساباتها، لكي يتحول المضيق إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية.

باب المندب: الجبهة البحرية المقابلة لهرمز

تكمن أهمية باب المندب في موقعه الاستراتيجي. فهو يمثل بوابة الدخول إلى البحر الأحمر والخروج منه باتجاه المحيط الهندي وخليج عدن، ويرتبط بصورة مباشرة بحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.

ومن هنا فإن السيطرة على البيئة الأمنية المحيطة به، أو القدرة على تهديد السفن العابرة، لا تعني فقط التأثير في اليمن أو السعودية، بل يمكن أن تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي.

وهذه هي النقطة التي تمنح الحوثيين أهمية استراتيجية أكبر من حجمهم العسكري التقليدي.

فالجماعة لا تحتاج إلى امتلاك قوة بحرية تضاهي القوى الدولية الموجودة في المنطقة. يكفي امتلاكها صواريخ وطائرات مسيّرة وقدرة على تحديد أهداف بحرية، لكي تفرض على السفن التجارية معادلة جديدة قائمة على المخاطرة.

وهنا يتحول الموقع الجغرافي إلى قوة سياسية.

استراتيجية الضغط منخفض التكلفة

تكمن إحدى أهم مزايا الاستراتيجية الحوثية في أنها تحقق تأثيراً اقتصادياً كبيراً باستخدام أدوات عسكرية أقل تكلفة بكثير من الأدوات التي يستخدمها خصومها.

فإطلاق طائرة مسيّرة أو صاروخ على سفينة أو منشأة ساحلية لا يتطلب إنفاقاً يقارن بتكلفة نشر قطع بحرية أو طائرات مقاتلة أو أنظمة دفاعية متقدمة.

وفي المقابل، فإن حماية الملاحة تتطلب من الولايات المتحدة وحلفائها إنفاقاً عسكرياً كبيراً، فضلاً عن تحمل تكاليف الانتشار والتأمين والحماية المستمرة.

وهكذا ينشأ نوع من عدم التماثل الاقتصادي:

الحوثيون يدفعون تكلفة محدودة لإحداث قدر من الاضطراب، بينما يدفع خصومهم تكلفة ضخمة للحفاظ على الوضع الطبيعي للملاحة.

وهذا أحد أهم أسباب قدرة الجماعات المسلحة على التأثير في الحسابات الدولية رغم محدودية مواردها مقارنة بالدول الكبرى.

السعودية في قلب المعادلة

تكتسب التطورات في باب المندب أهمية مضاعفة بالنسبة إلى السعودية.

فالمملكة لا تواجه تهديداً عسكرياً من الجنوب فقط، وإنما تعتمد أيضاً على شبكة من البنية التحتية التي يفترض أن تمنحها مرونة في تصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز.

ويأتي خط أنابيب الشرق-الغرب في مقدمة هذه البنية.

لكن تعرض الخط لهجوم بطائرات مسيّرة أدى إلى إغلاقه مؤقتاً، ما كشف عن مفارقة استراتيجية شديدة الأهمية: حتى البديل السعودي عن هرمز ليس محصناً تماماً من الحرب الإقليمية.

وبذلك تواجه الرياض ضغوطاً متزامنة.

فمضيق هرمز معرض للتوتر بسبب الحرب مع إيران، وباب المندب يواجه تهديداً من الحوثيين، بينما تعرض المسار البري البديل نفسه للاستهداف.

وهذه ليست مجرد مشكلة عسكرية، وإنما مشكلة تتعلق بهندسة الأمن الاقتصادي السعودي.

من حرب اليمن إلى حرب الممرات

كان يمكن النظر إلى الحرب اليمنية لسنوات باعتبارها صراعاً محلياً أو إقليمياً محدوداً.

لكن التطورات الأخيرة تدفع نحو قراءة مختلفة.

فاليمن أصبح جزءاً من شبكة أوسع من الصراعات التي تتقاطع فيها إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج والقوى المسلحة غير الحكومية.

والحوثيون يمثلون في هذه الشبكة أداة قادرة على نقل الصراع من البر إلى البحر.

وهذه نقطة جوهرية.

فإذا كان الصراع التقليدي يفرض على الخصم الدفاع عن الحدود والمنشآت العسكرية، فإن تهديد الملاحة يفرض عليه الدفاع عن النظام الاقتصادي بأكمله.

وهذا يرفع كلفة الحرب.

لماذا لا تحتاج واشنطن إلى السيطرة الكاملة كي تتعرض للضغط؟

يؤكد الرئيس دونالد ترامب أن الولايات المتحدة تمتلك اليد العليا في التعامل مع مضيق هرمز، ويربط ذلك بقدرتها العسكرية على حماية الملاحة.

لكن السيطرة العسكرية على المضيق لا تعني بالضرورة القدرة على إزالة جميع المخاطر.

فالتهديدات البحرية الحديثة لا تعتمد على إغلاق المضيق بالكامل.

قد يكون الهدف هو جعل الملاحة مكلفة وغير مستقرة.

وهنا تختلف المعادلة.

فالولايات المتحدة قد تستطيع إبقاء الممر مفتوحاً عسكرياً، لكنها لا تستطيع بالضرورة إجبار جميع شركات الشحن على استخدامه إذا أصبحت المخاطر مرتفعة.

ومن ثم فإن المعيار الحقيقي لحرية الملاحة ليس فقط بقاء الممر مفتوحاً، وإنما بقاء استخدامه اقتصادياً ممكناً ومقبولاً لشركات النقل والطاقة.

النفط هو ساحة المعركة الحقيقية

ارتفاع أسعار النفط في ظل اضطرابات هرمز وباب المندب يكشف أن الطاقة أصبحت جزءاً أساسياً من أدوات الصراع.

فالولايات المتحدة قد تكون قادرة على حماية سفن معينة أو استهداف منصات إطلاق الصواريخ، لكن الأسواق لا تتعامل مع القوة العسكرية بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع المخاطر.

السوق لا ينتظر وقوع كارثة.

يكفي وجود احتمال بحدوثها لكي ترتفع علاوة المخاطر.

وهذا ما يجعل التأثير الاقتصادي للهجمات أكبر من حجم الأضرار المباشرة التي تسببها.

سفينة واحدة قد لا تؤثر في السوق العالمية.

لكن احتمال تعرض عشرات السفن للخطر يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، ثم انتقال هذه الزيادة إلى أسعار السلع والطاقة.

لماذا بدأت أسعار الوقود الأميركية في الارتفاع؟

الارتفاع في أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة يعكس جزئياً هذا النوع من التأثير غير المباشر.

فالولايات المتحدة ليست الدولة الأكثر اعتماداً على النفط القادم عبر باب المندب، لكنها جزء من سوق نفط عالمية واحدة.

عندما يتعرض جزء من الإمدادات العالمية للخطر، فإن السوق يعيد تسعير المخاطر على مستوى العالم.

وبالتالي لا يحتاج المستهلك الأميركي إلى شراء النفط الذي يمر عبر باب المندب حتى يتأثر بأزمة الملاحة هناك.

وهذا يوضح لماذا تستطيع أزمة محلية في اليمن أن تظهر في نهاية المطاف في أسعار الوقود في الولايات المتحدة.

ترامب بين الردع وتجنب الحرب

الموقف الأميركي يحمل تناقضاً واضحاً.

فمن ناحية، تريد واشنطن الحفاظ على حرية الملاحة وإظهار قدرتها على حماية مضيق هرمز والممرات البحرية.

ومن ناحية أخرى، لا تبدو راغبة في فتح جبهة عسكرية جديدة واسعة ضد الحوثيين في الوقت الذي تركز فيه على إيران.

ولهذا يبدو أن واشنطن تفضل في المرحلة الحالية أدوات أقل تكلفة من الحرب المباشرة، مثل الاستخبارات والاستطلاع والدعم العملياتي، مع الاحتفاظ بالقدرة على التصعيد إذا تجاوزت الهجمات حدوداً معينة.

وهذه الاستراتيجية يمكن وصفها بأنها ردع دون التزام بحرب شاملة.

لكن نجاحها يعتمد على اعتقاد الحوثيين بأن واشنطن مستعدة فعلاً للانتقال إلى مستوى أعلى من القوة إذا تجاوزوا الخطوط الحمراء.

الحوثيون كورقة إيرانية أم فاعل مستقل؟

من السهل تفسير كل تحرك حوثي باعتباره قراراً إيرانياً مباشراً، لكن هذه القراءة قد تكون تبسيطية.

لا شك في وجود علاقات استراتيجية وعسكرية عميقة بين إيران والحوثيين، كما أن الجماعة استفادت من الدعم الإيراني في تطوير قدراتها الصاروخية والمسيّرة.

لكن الحوثيين يمتلكون أيضاً أجندة محلية وإقليمية خاصة بهم.

ومن ثم فإن السؤال ليس فقط: «ماذا تريد إيران؟»، وإنما أيضاً: إلى أي مدى تستطيع إيران توظيف الحوثيين، وإلى أي مدى يستطيع الحوثيون استخدام الصراع الإقليمي لتعزيز موقعهم الخاص؟

هذه العلاقة غير المتطابقة تماماً تجعل احتواء الأزمة أكثر صعوبة.

فحتى لو توصلت واشنطن وطهران إلى تفاهم، قد لا يعني ذلك تلقائياً توقف الحوثيين عن استخدام ورقة البحر الأحمر.

هرمز وباب المندب: استراتيجية الضغط المزدوج

تتضح خطورة المشهد عندما نضع مضيق هرمز وباب المندب في إطار واحد.

يمثل هرمز نقطة خروج رئيسية لنفط الخليج إلى الأسواق العالمية.

ويمثل باب المندب نقطة عبور رئيسية بين المحيط الهندي والبحر ال