التجارة العالمية في الطيور البرية: مخاطر غير مرئية تهدد البيئة والصحة العامة
لطالما جرى، عبر قرون، اصطياد الطيور من البرية للاحتفاظ بها في الأقفاص، نظرًا لجمالها وأصواتها وقدرتها على تقليد الأصوات. وتشير البيانات التي جمعتها CITES—وهي الاتفاقية الدولية المنظمة لتجارة الأنواع المهددة—إلى أن أفريقيا كانت خلال تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة أحد أبرز المورّدين للطيور الحية إلى الأسواق العالمية، حيث كانت معظم هذه الطيور تُصطاد من البرية وتُباع إلى دول أوروبا الغربية.
ورغم أن هذه التجارة كانت قانونية في ذلك الوقت، فإنها أثارت مخاوف متزايدة لدى المدافعين عن البيئة بشأن رفاهية الحيوانات والصحة العامة. وفي عام 2005، أدى تفشي إنفلونزا الطيور عالميًا إلى فرض حظر على استيراد الطيور البرية إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما ساهم في إنقاذ ملايين الطيور من الأسر والبيع.
غير أن هذا التقييد لم يدم طويلًا؛ ففي عام 2007، أُزيلت 114 من أكثر أنواع الطيور تداولًا من قوائم CITES، وهي الأنواع التي كانت تمثل أكثر من 70% من التجارة العالمية في الطيور. واليوم، لا تزال أكثر من 80% من أنواع الطيور غير مدرجة ضمن هذه القوائم، كما أن عددًا قليلًا فقط من الدول ينشر بيانات حول تجارة الأنواع غير المدرجة.
هذا الواقع يعني أن جزءًا كبيرًا من تجارة الطيور العابرة للحدود لا يتم تسجيله بشكل منهجي، ما يخلق فجوة معلوماتية كبيرة أمام صانعي القرار الذين يسعون إلى إدارة المخاطر المتعلقة بالبشر والحياة البرية والأنظمة البيئية.
في هذا السياق، سعى فريق من الباحثين إلى استكشاف إمكانية استخدام بيانات الجمارك التي يوفرها نظام UN Comtrade لسد هذه الفجوة. ويقوم هذا النظام بتسجيل بيانات تجارة السلع المختلفة، بما في ذلك الحيوانات الحية غير المدرجة في قوائم CITES.
وقد ركزت الدراسة على تجارة الطيور الحية بين عامي 2006 و2020، من دول أفريقية إلى كل من هونغ كونغ وسنغافورة، وهما مركزان رئيسيان في شبكات التجارة العالمية، ويتميزان بتوافر بيانات جمركية دقيقة نسبيًا.
تجارة واسعة تتجاوز الأضواء
غالبًا ما يتركز الاهتمام العام على التجارة غير المشروعة في أنواع جذابة مثل الببغاوات، إلا أن البحث كشف عن وجود تجارة دولية واسعة في أنواع نادرًا ما تحظى بالتغطية الإعلامية.
وتكتسب هذه التجارة أهمية خاصة نظرًا لما تنطوي عليه من مخاطر متعددة، تشمل الحفاظ على الحياة البرية، ورفاهية الحيوانات، والصحة العامة.
أكثر من مليون طائر
أظهرت نتائج الدراسة أن حجم تجارة الطيور قد تم التقليل من تقديره بشكل كبير. فمنذ عام 2006، تم استيراد ما يزيد عن 1,085,326 طائرًا إلى هونغ كونغ وسنغافورة من مختلف أنحاء العالم .
ولا يشمل هذا الرقم الببغاوات أو الطيور الجارحة أو الدواجن، حيث ركزت الدراسة على الأنواع التي لا تُربّى عادة في الأسر ولا تخضع لتنظيم صارم من خلال CITES.
ومن بين هذه الأعداد، تبين أن أكثر من 700 ألف طائر—أي نحو 65% من إجمالي الواردات—جاءت من دول أفريقية، أبرزها مالي وغينيا وموزمبيق وتنزانيا، مع تغير ملحوظ في الدول المصدّرة بمرور الوقت.
ويُرجّح أن معظم هذه الطيور قد تم اصطيادها من البرية، ما يزيد من المخاطر على التجمعات الطبيعية، فضلًا عن احتمالات نقل الأمراض وانتشار الأنواع الغازية.
الطيور المغردة في قلب التجارة
رغم أن بيانات Comtrade لا تحدد الأنواع بدقة، فإن سجلات الاستيراد التفصيلية في هونغ كونغ أظهرت أن هذه التجارة تتركز بشكل أساسي في الطيور المغردة الصغيرة.
فقد هيمنت طيور الكناري من جنس Crithagra على الجزء الأكبر من الواردات، حيث شكّل نوعان فقط—الكناري أصفر الجبهة وطيور البذور بيضاء الردف—نحو 84% من الطيور المستوردة من أفريقيا بين عامي 2015 و2020.
وعلى الرغم من أن معظم هذه الأنواع مصنفة ضمن فئة "أقل قلقًا" وفق القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، فإن ذلك لا يعني أن التجارة بها غير ضارة، إذ تشير الأدلة إلى أن هذه التجارة تسهم في تراجع أعداد بعض الأنواع في البرية.
مخاطر بيئية وصحية متعددة
لا تقتصر المخاطر على تراجع أعداد الطيور، بل تمتد إلى الصحة العامة، حيث ارتبطت تجارة الطيور بانتقال أمراض مثل إنفلونزا الطيور وداء الببغائيات، وهي أمراض يمكن أن تنتقل إلى البشر.
كما أن تجميع أعداد كبيرة من الطيور في ظروف ضاغطة يزيد من احتمالات انتشار الأمراض، ويخلق مخاطر بيولوجية للدول المعنية. إضافة إلى ذلك، قد يؤدي إطلاق هذه الطيور أو هروبها إلى مشكلات بيئية، من خلال استقرارها في بيئات جديدة خارج نطاقها الطبيعي.
استجابات دولية متفاوتة
بسبب هذه المخاطر، اتخذت عدة دول إجراءات لتقييد أو حظر تصدير الطيور البرية. فقد كانت تنزانيا من أكبر المصدّرين عالميًا، لكنها أوقفت صادراتها في عام 2016، وهو ما انعكس بوضوح في تراجع حجم التجارة.
كما فرضت دول أخرى، مثل أستراليا ودول الاتحاد الأوروبي والهند، قيودًا على استيراد الطيور البرية لحماية التنوع البيولوجي وتقليل المخاطر الصحية.
فجوة رقابية وحاجة إلى إصلاح
تكشف هذه النتائج عن فجوة كبيرة في نظام مراقبة التجارة العالمية للحياة البرية، حيث تعبر ملايين الحيوانات الحدود سنويًا دون تسجيل دقيق إذا لم تكن مشمولة بقوانين الحماية.
ويستدعي ذلك تحسين أنظمة الرصد، من خلال:
- تسجيل البيانات على مستوى الأنواع بدلًا من الفئات العامة
- توسيع نطاق الأنواع المدرجة ضمن اتفاقية CITES
مما سبق يتبين أن أن تجارة الطيور البرية أكثر اتساعًا وتعقيدًا مما يُعتقد. وفي ظل غياب رقابة فعالة وإجراءات حماية كافية، ستظل هذه التجارة—التي تجري إلى حد كبير بعيدًا عن الأنظار—تشكل تهديدًا مستمرًا للحياة البرية والأنظمة البيئية وصحة الإنسان.
