بث تجريبي

زلزال الجيوسياسة بين فوضى التحول وتشكّل النظام الدولي الجديد

تحليلات - حميدة صالح بوحقيفة
حميدة صالح بوحقيفة
باحثة سياسية وأكاديمية ليبية

لم يعد توصيف النظام الدولي الراهن باعتباره انتقالاً نحو “تعدد الأقطاب” كافياً لفهم عمق التحولات الجارية في البيئة الدولية. فالعالم في عام 2026 لا يشهد مجرد إعادة توزيع للقوة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، بل يعيش حالة أكثر تعقيداً يمكن وصفها بـ”السيولة الجيوسياسية”، حيث تتداخل القوة الصلبة بالقوة التكنولوجية والاقتصادية والرقمية، وتتراجع الحدود التقليدية الفاصلة بين الفاعلين الدولتيين وغير الدولتيين. إننا أمام مرحلة انتقالية مضطربة، تتآكل فيها قواعد النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، دون أن تتبلور بعدُ قواعد مستقرة لنظام بديل.

في هذا السياق، تبدو الأزمة الحقيقية ليست في صعود قوى جديدة فحسب، بل في غياب مركز دولي قادر على فرض “هندسة استقرار” جديدة. فالنظام الأحادي القطبية الذي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة دخل مرحلة الإنهاك الاستراتيجي؛ إذ لم تعد واشنطن قادرة على إدارة التوازنات الدولية منفردة كما حدث خلال تسعينات القرن الماضي، بينما لم تنجح القوى الصاعدة، وعلى رأسها الصين، في تقديم نموذج قيادي عالمي مكتمل المعالم. وهنا يتولد ما يمكن تسميته بـ”فجوة القيادة الدولية”، وهي الفجوة التي تفسر تصاعد الحروب الإقليمية، وتزايد النزاعات الاقتصادية، وعودة الجغرافيا السياسية بوصفها محدداً مركزياً للصراع الدولي.

تكشف التحولات الجارية أن القوة لم تعد حكراً على الدول العظمى التقليدية، بل باتت القوى الإقليمية والوسيطة تمارس دوراً محورياً في إعادة تشكيل موازين القوى. فالهند، وتركيا، والبرازيل، والسعودية، وحتى بعض القوى الإفريقية الصاعدة، لم تعد مجرد أطراف تدور في فلك التنافس الأمريكي–الصيني، بل أصبحت تمتلك هامشاً متزايداً من المناورة الاستراتيجية.

هذه الدول تدير علاقاتها الخارجية بمنطق “البراغماتية السيادية”، أي بناء الشراكات وفق حسابات المصلحة الوطنية لا وفق الاصطفاف الأيديولوجي. ولذلك أصبح من الطبيعي أن تكون دولة ما شريكاً تجارياً للصين، ومتلقية للاستثمارات الأوروبية، وحليفاً أمنياً للولايات المتحدة في الوقت نفسه. وهو ما يعكس انتقال العالم من مرحلة “التحالفات الصلبة” إلى مرحلة “التحالفات المرنة”، التي تتغير وفق الملفات والمصالح والظروف الجيوسياسية المتحركة.

هذا التحول لا يعبّر فقط عن تراجع الهيمنة الغربية، بل يكشف أيضاً عن أزمة في مفهوم “القطب” ذاته. فالنظام الدولي الجديد لا يقوم على وجود مركز واحد مهيمن أو حتى عدة أقطاب مستقرة، بل على شبكة معقدة من مراكز القوة المتداخلة والمتنافسة، وهو ما يفتح المجال أمام حالة يمكن وصفها بـ”الفوضى القطبية”، حيث تتعدد القوى دون وجود آلية فعالة لضبط تفاعلاتها.

أحد أبرز ملامح التحول الجيوسياسي الراهن يتمثل في عودة الجغرافيا السياسية بقوة إلى قلب المعادلة الدولية. فبعد عقود من الحديث عن “نهاية الجغرافيا” في ظل العولمة والانفتاح الاقتصادي، أعادت الأزمات الدولية الأخيرة الاعتبار للموقع والممرات البحرية والطاقة وسلاسل الإمداد.

لقد أثبتت التوترات في مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر أن السيطرة على “عنق الزجاجة” في التجارة الدولية أصبحت أداة ضغط استراتيجية تفوق أحياناً القوة العسكرية التقليدية. فتعطيل الملاحة أو تهديد خطوط الإمداد لم يعد مجرد حدث أمني محلي، بل تحول إلى أداة لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والتوازنات السياسية.

وفي المقابل، برزت “جيوبوليتيكا الممرات” بوصفها أحد أهم محركات الصراع الدولي الجديد، حيث تتنافس القوى الكبرى على إنشاء شبكات نقل وممرات تجارية بديلة، مثل مشروع “الحزام والطريق” الصيني، والممر الاقتصادي الهندي–الأوروبي، والمشروعات الغربية الرامية إلى تقليل الاعتماد على الممرات الخاضعة لنفوذ الخصوم الجيوسياسيين. وهكذا أصبحت الجغرافيا مرة أخرى محدداً رئيسياً في معادلات النفوذ العالمي، لكن بصورة أكثر تعقيداً من النماذج الكلاسيكية التقليدية.

إذا كانت الجغرافيا تتحكم في حركة التجارة والطاقة، فإن التكنولوجيا أصبحت تتحكم في مستقبل القوة ذاتها. فالصراع الدولي الراهن لم يعد يدور فقط حول الأراضي والموارد، بل حول السيطرة على البيانات والخوارزميات والبنية التحتية الرقمية.

إن المعركة العالمية حول أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ليست صراعاً اقتصادياً تقنياً فحسب، بل صراع على من يمتلك القدرة على صياغة المستقبل والتحكم في تدفق المعلومات. فمن يسيطر على التكنولوجيا المتقدمة يمتلك أدوات التأثير في الاقتصاد، والأمن، والإعلام، وحتى في تشكيل الوعي الجمعي.

وهنا يظهر شكل جديد من مراكز القوة يمكن تسميته بـ”الأقطاب التكنولوجية”، حيث لم تعد بعض الشركات العملاقة مجرد كيانات اقتصادية، بل تحولت إلى فاعلين يمتلكون تأثيراً عابراً للحدود يفوق أحياناً تأثير بعض الدول. فشركات التكنولوجيا الكبرى باتت تتحكم في البيانات، والبنية الرقمية، وأنظمة الاتصال، وهو ما يعيد تعريف مفهوم السيادة الوطنية ذاته.

وفي هذا الإطار، يبدو الصراع الأمريكي–الصيني في جوهره صراعاً على “قيادة العصر الرقمي”، وليس مجرد تنافس تجاري. فالهيمنة في القرن الحادي والعشرين لن تُقاس فقط بحجم الجيوش، بل بالقدرة على إنتاج المعرفة والتحكم في البنية التكنولوجية العالمية.

تشير التحولات الاقتصادية الحالية إلى أن العالم يشهد إعادة تشكيل تدريجية للنظام الاقتصادي الدولي الذي تبلور بعد اتفاقية “بريتون وودز”. فالتوسع المتسارع لتجمع “بريكس+” ومحاولات إنشاء آليات دفع وتسويات مالية بديلة تعكس تزايد الرغبة الدولية في تقليص الاعتماد على الدولار والنظام المالي الغربي.

صحيح أن الحديث عن “نهاية الدولرة” لا يزال مبالغاً فيه، إلا أن الأهم من ذلك هو اهتزاز الثقة في النظام المالي القائم، وظهور اتجاه عالمي نحو تنويع الشراكات الاقتصادية والاحتياطيات النقدية وأدوات التسوية التجارية. وهو ما يعكس بداية انتقال تدريجي من “العولمة المتمركزة غربياً” إلى “عولمة متعددة المراكز”.

لكن هذا التحول يرافقه اتجاه موازٍ نحو “التكتلات الحمائية”، حيث باتت الدول الكبرى أكثر ميلاً لإعادة توطين الصناعات الاستراتيجية وتقليل الاعتماد على الخصوم، خصوصاً في القطاعات الحساسة مثل الطاقة والتكنولوجيا والغذاء. وهكذا لم تعد العولمة تعني انفتاحاً مطلقاً، بل أصبحت تخضع لحسابات الأمن القومي والمنافسة الجيوسياسية.

تكمن خطورة المرحلة الراهنة في أن التحول نحو نظام دولي جديد يجري في ظل ضعف غير مسبوق للمؤسسات الدولية. فالأمم المتحدة تبدو عاجزة عن احتواء النزاعات الكبرى، ومجلس الأمن بات رهينة الاستقطاب بين القوى الكبرى، بينما فقدت العديد من المؤسسات الدولية قدرتها على إدارة الأزمات بصورة فعالة.

هذا الفراغ المؤسسي يجعل العالم أكثر عرضة للصدمات المفاجئة، سواء كانت حروباً إقليمية، أو أزمات مالية، أو اضطرابات سيبرانية، أو حتى أزمات غذائية وطاقوية. فالنظام الدولي الحالي يشهد تصاعداً في حجم المخاطر مقابل تراجع في أدوات الضبط والاحتواء.

ومن هنا، فإن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في صعود تعددية قطبية جديدة، بل في غياب “قواعد اشتباك” واضحة تنظم التنافس بين القوى الكبرى. فالعالم اليوم يعيش مرحلة انتقالية شبيهة بمراحل التحول الكبرى في التاريخ الدولي، حيث يسبق تشكل النظام الجديد فترة طويلة من الاضطراب وعدم اليقين.

ما يجري اليوم ليس أزمة عابرة، بل إعادة هيكلة شاملة للنظام الدولي وموازين القوة العالمية. فالعالم لم يعد يتحرك وفق منطق الهيمنة الأحادية، لكنه أيضاً لم يصل بعد إلى توازن مستقر متعدد الأقطاب. وبين هذين الواقعين تتشكل بيئة دولية شديدة التعقيد، تتسم بتعدد مراكز القوة، وتداخل المصالح، وتصاعد الصراعات الهجينة، وتآكل الحدود بين الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا.

إن المرحلة المقبلة لن تكون بالضرورة مرحلة “نظام دولي جديد” مستقر، بل قد تكون مرحلة “إدارة الفوضى الدولية”، حيث يصبح البقاء مرهوناً بقدرة الدول على التكيف مع التحولات المتسارعة، وتنويع تحالفاتها، وبناء قدراتها الذاتية، وامتلاك أدوات القوة الاقتصادية والتكنولوجية والمعرفية. وفي ظل هذا المشهد، لم يعد السؤال الأساسي: من سيقود العالم؟ بل أصبح: هل يستطيع العالم إنتاج توازن جديد قبل أن تتحول الفوضى الجيوسياسية إلى أزمة عالمية مفتوحة؟