أزمة سبتة: بين التحذيرات الاستخباراتية وحسابات المسؤولية المغربية والإسبانية

دراسات وأبحاث - Foresight

أعادت الوثائق التي أفرجت عنها الحكومة الإسبانية بشأن أزمة الهجرة في سبتة فتح نقاش سياسي وأمني يتجاوز مسألة تدفق المهاجرين نفسه، ليصل إلى سؤال أكثر حساسية: هل كانت الأزمة مفاجئة فعلًا، أم أن السلطات الإسبانية امتلكت مؤشرات مسبقة لكنها لم تتمكن من تحويلها إلى إجراءات تحول دون وقوعها؟

وتشير الوثائق إلى أن أجهزة أمنية واستخباراتية إسبانية رصدت، قبل يوم واحد من التدفق الجماعي في أواخر يوليو، دعوات لتنظيم عمليات دخول جماعية إلى سبتة عبر الحدود مع المغرب. وفي المقابل، لا تقدم هذه الوثائق، وفق ما هو معلن، دليلًا مباشرًا يثبت أن السلطات المغربية خططت للتدفق أو قررت السماح به عمدًا.

وهذه النقطة هي جوهر الجدل الحالي؛ إذ إن معرفة الأجهزة بوجود خطر محتمل لا تعني بالضرورة معرفة حجم الحدث أو القدرة على تحديد توقيته، كما أن عدم إثبات التخطيط المغربي لا ينفي وجود تساؤلات بشأن أداء الأجهزة المغربية خلال الأزمة.

تحذيرات سبقت التدفق الكبير

تكشف الوثائق التي أفرجت عنها مدريد أن المركز الوطني للهجرة والحدود التابع للشرطة الإسبانية رصد دعوات عبر الإنترنت لتنظيم «هجرات جماعية» إلى سبتة خلال ليلة 29 يوليو. كما أشارت مذكرة عاجلة من جهاز الاستخبارات الإسباني إلى وجود دعوات متعددة لتنفيذ عمليات دخول إلى المدينة، من بينها مجموعات على فيسبوك تضم أعدادًا كبيرة من المستخدمين.

وجاءت هذه التحذيرات في سياق ارتفاع ملحوظ في أعداد القادمين من المغرب خلال الأسابيع السابقة. فقد سجلت السلطات وصول نحو ألف شخص خلال الفترة الممتدة من بداية يوليو حتى 28 منه، ووصفت التطور بأنه ارتفاع حاد مقارنة بالعام السابق، مع اعتباره تهديدًا مستمرًا ذا أولوية.

لكن الفارق بين رصد دعوات على وسائل التواصل الاجتماعي وبين توقع تدفق لعشرات الآلاف من الأشخاص يظل كبيرًا. فالتحذير الاستخباراتي قد يشير إلى وجود نية أو استعداد لحدث ما، لكنه لا يوفر بالضرورة تقديرًا دقيقًا لحجمه أو توقيته أو قدرة منظميه على تنفيذه. ومن هذه الزاوية، فإن الوثائق قد تعزز الانتقادات الموجهة إلى السلطات الإسبانية بشأن كيفية التعامل مع التحذير، لكنها لا تحسم وحدها مسألة المسؤولية عن الأزمة.

هل فشلت الحكومة الإسبانية في قراءة الخطر؟

يرى منتقدو حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أن الوثائق تضعف الرواية القائلة إن الأزمة لم يكن من الممكن توقعها، لأن أجهزة الدولة كانت قد تلقت تحذيرات محددة قبل وقوعها. وتستخدم المعارضة هذه المعطيات للقول إن الحكومة امتلكت معلومات كافية للتحرك بصورة أقوى، سواء من خلال تعزيز الحدود أو رفع مستوى الاستعداد أو التنسيق مع السلطات المغربية.

لكن هناك فرقًا بين القول إن الحكومة كانت تعلم بوجود خطر والقول إنها كانت تعلم أن تدفقًا بحجم أكثر من 72 ألف شخص سيحدث خلال يومين. وهذا الفرق مهم سياسيًا وأمنيًا. فالأجهزة الاستخباراتية تتعامل بصورة مستمرة مع مؤشرات عن تحركات محتملة للمهاجرين، ولا تتحول كل دعوة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى عملية جماعية واسعة النطاق.

ومن ثم، فإن السؤال الأكثر دقة ليس ما إذا كانت مدريد قد تلقت تحذيرًا، فهذا أصبح مثبتًا بالوثائق، وإنما ما إذا كانت درجة التحذير وطبيعته تستوجب إجراءات استثنائية لم تتخذها الحكومة. وهذه مسألة تحتاج إلى تقييم مهني للوثائق، وليس إلى الاستنتاج السياسي وحده.

الموقف المغربي: رفض الاتهام وغياب الدليل العلني

في المقابل، رفضت الرباط اتهامات تورط سلطاتها في تدفق المهاجرين، مؤكدة عدم وجود «معطيات أو وقائع» تثبت مسؤوليتها. وتعتبر الحكومة المغربية أن استمرار توجيه الاتهامات إليها دون أدلة مباشرة يحولها إلى طرف يُستخدم في صراع سياسي داخلي إسباني، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

ومن الناحية التحليلية، فإن الموقف المغربي يستند إلى نقطة مهمة: رصد تساهل محتمل من جانب بعض عناصر الأمن المغربي لا يساوي تلقائيًا إثبات وجود قرار سياسي رسمي بالسماح بالتدفق. فالانتقال من الإخفاق الأمني أو عدم كفاية إجراءات المنع إلى إثبات وجود توجيه سياسي مركزي يتطلب أدلة إضافية، مثل أوامر رسمية أو اتصالات موثقة أو شهادات مستقلة يمكن التحقق منها.

وفي الوقت نفسه، فإن نفي الرباط لا يغلق الملف، خصوصًا إذا ثبت بشكل مستقل أن القوات المغربية لم تبذل جهودًا كافية لمنع التجمعات الكبيرة أو تفريقها. وهنا يظل السؤال مفتوحًا بين احتمالين مختلفين: هل كان ما حدث نتيجة ضعف أو انهيار في السيطرة الأمنية، أم كان نتيجة قرار سياسي متعمد؟

تقرير الشرطة يضيف طبقة أخرى من التعقيد

تزداد القضية تعقيدًا مع التقرير الذي تحدث عن «تساهل» من جانب قوات الأمن المغربية خلال الأزمة، وعدم بذل محاولات جادة لتقليص الحشود أو تفريقها أو إبعادها عن المنطقة الحدودية.

إذا صحت هذه المعطيات، فإنها تقدم عنصرًا مختلفًا عن الاتهام المباشر بالتخطيط. فهي قد تشير إلى أن الأزمة لم تكن مجرد نتيجة لعوامل عفوية، وإنما استفادت من مستوى معين من الضعف أو التساهل في ضبط الحدود.

لكن حتى هذا الاستنتاج يحتاج إلى تفسير، فالتساهل الأمني يمكن أن يكون نتيجة قرار سياسي، كما يمكن أن يكون نتيجة فشل في التقدير أو ضعف في التنسيق أو عجز ميداني عن السيطرة على حشود ضخمة.

لذلك، فإن تحديد المسؤولية يتطلب معرفة من اتخذ القرار، وما التعليمات التي صدرت، وكيف تعاملت الأجهزة المختلفة مع الوضع، وما إذا كان هناك تغير متعمد في سياسة ضبط الحدود.

البعد المغربي ـ الإسباني يتجاوز الهجرة

يصعب فصل أزمة سبتة عن السياق السياسي الأوسع للعلاقات المغربية ـ الإسبانية. فالعلاقة بين البلدين شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات مهمة، خصوصًا بعد انتقال مدريد في 2022 من سياسة الحياد التقليدي بشأن قضية الصحراء الغربية إلى دعم مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساسًا للتسوية.

وفي الوقت نفسه، تحتفظ سبتة بمكانة شديدة الحساسية في العلاقة بين البلدين. فالمدينة تقع جغرافيًا على الساحل الأفريقي، لكنها تخضع للسيادة الإسبانية، وتعتبرها الرباط جزءًا من القضايا التي ترتبط بمفهومها الأوسع للعلاقات مع إسبانيا.

ولهذا فإن أي أزمة كبيرة على الحدود يمكن أن تحمل أبعادًا تتجاوز ملف الهجرة، لتصبح جزءًا من إدارة العلاقة الثنائية وموازين الضغط المتبادلة.

لكن الربط بين زيارة سانشيز للجزائر في يوليو/تموز وبين أزمة سبتة يظل في نطاق التكهنات ما لم تظهر أدلة مباشرة تثبت أن الرباط اتخذت قرارًا بتسهيل التدفق ردًا على الزيارة.

الجزائر حاضرة في خلفية الأزمة

تكتسب زيارة سانشيز إلى الجزائر أهمية إضافية بسبب التنافس المغربي ـ الجزائري المستمر حول الصحراء الغربية.

فالجزائر تدعم جبهة البوليساريو وتتمسك بمبدأ تقرير المصير، بينما تدعم إسبانيا منذ تحول سياستها عام 2022 المقترح المغربي للحكم الذاتي.

ومن ثم، فإن العلاقات الإسبانية مع كل من الجزائر والمغرب تحمل حسابات متداخلة.

وقد تنظر الرباط بحساسية إلى أي تقارب إسباني ـ جزائري، خصوصًا إذا جاء في ملفات ترتبط بالطاقة أو الأمن أو الصحراء الغربية. لكن وجود هذا السياق السياسي لا يكفي وحده لإثبات أن أزمة سبتة كانت أداة ضغط مغربية.

وهنا تبرز أهمية الفصل بين السياق الذي يجعل فرضية التصعيد ممكنة وبين الأدلة التي تجعلها ثابتة.

سبتة تتحول إلى قضية أوروبية

لم تتوقف تداعيات الأزمة عند إسبانيا والمغرب، إذ تدخل الاتحاد الأوروبي من خلال تقديم مساعدات طارئة لإسبانيا بلغت نحو 114.7 مليون يورو، موجهة إلى تعزيز مراقبة الحدود ودعم عمليات إعادة المهاجرين غير النظاميين وتحسين قدرات الاستقبال في سبتة.

كما قرر الاتحاد تعزيز دعم الوكالات الأوروبية المختصة، بما فيها «فرونتكس» و«يوروبول» ووكالة اللجوء الأوروبية.

ويكشف ذلك عن حقيقة مهمة: الهجرة عبر سبتة لم تعد قضية حدودية إسبانية بحتة، وإنما أصبحت جزءًا من أمن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

وبالنسبة لبروكسل، فإن أي تدفق استثنائي بهذا الحجم يمكن أن يختبر قدرة الاتحاد على إدارة حدوده الخارجية وعلى توزيع الأعباء بين الدول الأعضاء.

ورقة الهجرة في العلاقات الأوروبية ـ المغربية

تمثل الهجرة إحدى أهم أوراق التفاوض في العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي.

فالمغرب يعد شريكًا رئيسيًا لأوروبا في مكافحة الهجرة غير النظامية وتهريب البشر، وتحتاج الدول الأوروبية إلى تعاون السلطات المغربية في مراقبة الحدود البرية والبحرية.

وفي المقابل، يمتلك المغرب قدرة جغرافية وسياسية على التأثير في حركة المهاجرين المتجهين نحو الأراضي الأوروبية.

وهذا يجعل العلاقة قائمة على قدر من الاعتماد المتبادل. فإسبانيا تحتاج إلى التعاون المغربي، والمغرب بدوره يستفيد من الشراكة الاقتصادية والأمنية مع أوروبا.

ولهذا فإن تحول الهجرة إلى أداة ضغط سياسي بصورة متكررة قد يهدد إحدى أهم ركائز هذه الشراكة، حتى إذا لم يثبت في كل حالة وجود قرار رسمي باستخدامها لهذا الغرض.

الجانب الإنساني: الرقم الأكبر ليس القصة كلها

لا ينبغي أن يحجب الصراع السياسي حول المسؤولية البعد الإنساني للأزمة، فقد وصل أكثر من 72 ألف شخص إلى سبتة خلال يومي 30 و31 يوليو/تموز، سيرًا على الأقدام أو سباحة، وفق الأرقام الواردة في التقرير. وعاد معظمهم أو أعيدوا إلى المغرب، بينما بقي آلاف آخرون في المدينة. كما أودت الأزمة بحياة ما لا يقل عن 91 شخصًا وفق الأرقام الرسمية الإسبانية.

هذه الأرقام تشير إلى أن القضية لا تتعلق فقط بالحدود والسيادة أو بالتجاذب بين مدريد والرباط، وإنما أيضًا بقدرة الطرفين على إدارة تحركات بشرية واسعة في ظروف يمكن أن تتحول بسرعة إلى كارثة إنسانية.

ما الذي ستحدده التحقيقات؟

يتوقف مستقبل الجدل السياسي بدرجة كبيرة على طبيعة الأدلة التي يمكن أن تظهر في التحقيقات المقبلة.

هناك ثلاثة أسئلة رئيسية ينبغي فصلها عن بعضها:

أولًا: هل كانت السلطات الإسبانية تمتلك معلومات كافية لاتخاذ إجراءات تمنع الأزمة أو تحد من حجمها؟

ثانيًا: هل كان هناك تقصير أو تساهل من جانب السلطات المغربية في ضبط الحشود ومنع العبور؟

ثالثًا: هل توجد أدلة تثبت أن هذا التساهل، إن ثبت، كان نتيجة قرار سياسي متعمد من القيادة المغربية؟

والسؤال الثالث هو الأكثر حساسية، لأنه ينقل القضية من نطاق الفشل الأمني إلى نطاق استخدام الهجرة كأداة للضغط السياسي.

حتى الآن، وبحسب المادة المتاحة، لا تتساوى الأدلة الخاصة بالمستويات الثلاثة. فوجود التحذيرات الإسبانية موثق، بينما تظل طبيعة الاستجابة المغربية ومسألة وجود توجيه سياسي متعمد بحاجة إلى أدلة أكثر مباشرة.

ثلاثة سيناريوهات للعلاقات المقبلة

يمكن تصور ثلاثة مسارات محتملة بعد الأزمة.

السيناريو الأول: احتواء الأزمة وإعادة بناء الثقة.
قد تنتهي التحقيقات إلى تحميل الأجهزة الإسبانية جزءًا من مسؤولية سوء تقدير حجم الخطر، مع عدم إثبات وجود قرار مغربي متعمد. وفي هذه الحالة قد تعمل مدريد والرباط على تعزيز آليات تبادل المعلومات والتنسيق الحدودي.

السيناريو الثاني: استمرار الاتهامات دون حسم.
قد تبقى الأدلة غير كافية لإثبات المسؤولية السياسية لأي طرف، فتستمر الأزمة بوصفها ورقة في السجال الداخلي الإسباني وفي العلاقة الثنائية بين