عقيدة جديدة في السياسة الخارجية البريطانية وحدود الاستقلال الاستراتيجي
لم يكن صعود آندي بيرنهام إلى رئاسة الحكومة البريطانية مجرد انتقال للسلطة داخل حزب العمال، وإنما حمل معه احتمال إعادة صياغة الطريقة التي تنظر بها بريطانيا إلى موقعها في النظام الدولي. فالرجل الذي بنى معظم مسيرته السياسية على قضايا الداخل، من الخدمات العامة والإسكان والنقل إلى العلاقة بين لندن والأقاليم، وجد نفسه فجأة أمام مسؤوليات تتجاوز بكثير أجندة السياسة الداخلية، وتمتد إلى الردع النووي، والحرب في أوكرانيا، والعلاقة مع الولايات المتحدة، ومستقبل بريطانيا في أوروبا، والتعامل مع الصين وروسيا، إضافة إلى أزمات الشرق الأوسط.
ومن هنا برز الحديث عن إمكانية تشكل ما يمكن تسميته «عقيدة بيرنهام» في السياسة الخارجية البريطانية. غير أن أهمية هذا المفهوم لا تكمن في كونه عقيدة مكتملة بالمعنى التقليدي، وإنما في كونه محاولة لقراءة مجموعة من المبادئ التي بدأت تتبلور في توجهات رئيس الوزراء الجديد: الجمع بين القوة والقيم، تعزيز القدرات السيادية، بناء تحالفات مع القوى المتوسطة، الحفاظ على التحالف مع الولايات المتحدة، والانفتاح على أوروبا، مع اعتبار أن السياسة الخارجية والأمنية لا يمكن فصلهما عن الاقتصاد والتماسك الاجتماعي والسياسة الداخلية.
بريطانيا بين طموح الدور وقيود القوة
تأتي محاولة بيرنهام لإعادة تعريف السياسة الخارجية البريطانية في وقت تواجه فيه المملكة المتحدة قيودًا بنيوية تحد من قدرتها على التحرك باستقلال كامل. فمنذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، عانى الاقتصاد البريطاني من ضعف النمو وارتفاع مستويات الاقتراض، بينما كشفت التحولات التكنولوجية عن اعتماد بريطانيا على الشركات الأمريكية في قطاعات استراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة. وفي الوقت نفسه، جعلت التحولات في السياسة الأمريكية تجاه الحلفاء الاعتماد البريطاني التقليدي على العلاقة الخاصة مع واشنطن أكثر تعقيدًا.
وتزداد هذه القيود تعقيدًا بفعل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الذي ظل أحد أكثر الملفات تأثيرًا في السياسة البريطانية منذ استفتاء عام 2016. كما أن التوتر مع روسيا بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا وضع لندن في بيئة أمنية أكثر صعوبة، بينما تفرض تنامي القوة الصينية وأزمات الشرق الأوسط والتغير المناخي أجندة خارجية أكثر اتساعًا من قدرة أي حكومة بريطانية على إدارتها منفردة.
لذلك فإن السؤال المركزي أمام بيرنهام لا يتعلق فقط بما يريد أن تفعله بريطانيا في العالم، وإنما بما تستطيع بريطانيا فعله بالفعل. وهذه نقطة جوهرية لفهم أي تحول محتمل في سياستها الخارجية: فالدول المتوسطة لا تمتلك هامش الحركة الذي تتمتع به القوى العظمى، ولذلك تصبح إدارة التحالفات والموارد المحدودة واختيار الأولويات جزءًا أساسيًا من عملية صناعة السياسة الخارجية.
من «القوة الناعمة» إلى إعادة بناء القوة الصلبة
أحد أبرز ملامح رؤية بيرنهام يتمثل في اعتقاده بأن بريطانيا تحتاج إلى إعادة بناء قدراتها الصلبة. فقد تحدث خلال حملته عن ضرورة إعادة بناء القوة العسكرية البريطانية لمواجهة عالم أكثر خطورة، وربط ذلك بتطوير ما يسميه «القدرات السيادية»، بما يشمل قطاعات مثل بناء السفن والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعزيز التعاون الأمني مع الدول الأوروبية. وفي الوقت نفسه، لم يضع هذه السياسة في مواجهة القيم البريطانية، بل أكد ارتباطها بالقانون الدولي والأمم المتحدة.
وتكشف هذه الرؤية عن محاولة لمعالجة معضلة قديمة في السياسة الخارجية البريطانية: كيف يمكن لدولة أن تحافظ على طموحها الدولي في ظل تراجع نسبي في قدرتها الاقتصادية والعسكرية؟
إجابة بيرنهام تبدو قائمة على الجمع بين مسارين متوازيين. الأول هو إعادة بناء القوة الذاتية، والثاني هو استخدام هذه القوة داخل شبكات التحالفات. وبالتالي، فإن «الاستقلال» الذي يطرحه لا يبدو استقلالًا عن التحالفات، وإنما قدرة أكبر على التحرك داخلها من موقع أكثر قوة.
وتظهر أهمية هذا التوجه بصورة خاصة في المجال الدفاعي. فبريطانيا لا تريد التخلي عن عضويتها في حلف شمال الأطلسي أو عن الردع النووي أو عن التحالف الأمريكي، لكنها في الوقت ذاته تسعى إلى تقليل نقاط الضعف الناتجة عن الاعتماد الخارجي في بعض المجالات الاستراتيجية. وهذا يفسر التركيز على بناء القدرات المحلية في التكنولوجيا والدفاع والصناعة.
واشنطن: الاستقلال دون القطيعة
هنا تظهر إحدى أهم سمات التصور الجديد. فبيرنهام، وفق المادة، يختلف في بعض الملفات مع الإدارة الأمريكية، ويؤيد بناء تحالفات أوسع بين القوى المتوسطة، لكنه لا يتبنى استراتيجية تقوم على الابتعاد عن الولايات المتحدة. بل يعتبر واشنطن الحليف الأهم لبريطانيا في مجالي الدفاع والأمن.
وهذا يضع سياسته في موقع مختلف عن بعض التصورات الأخرى التي ظهرت بين القوى المتوسطة، ومنها الرؤية المرتبطة برئيس الوزراء الكندي مارك كارني، والتي تركز بصورة أكبر على التحوط من الاعتماد على القوى الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة.
أما بيرنهام فيبدو أكثر حذرًا: يمكن لبريطانيا أن تبني علاقات أقوى مع كندا وأوروبا وغيرها من القوى المتوسطة، وأن تتحرك جماعيًا في بعض الملفات، لكن دون تحويل هذا التحرك إلى مشروع لمواجهة واشنطن.
وتكشف هذه المعادلة عن محاولة لبناء ما يمكن وصفه بـ«الاستقلال داخل التحالف». فالمطلوب ليس الخروج من المظلة الأمريكية، وإنما توسيع هامش الحركة البريطانية داخلها.
لكن نجاح هذه المعادلة سيظل مرتبطًا بمدى استعداد واشنطن لقبول تحرك بريطاني مستقل في الملفات التي تختلف فيها مصالح البلدين. ومن هنا فإن أحد الاختبارات الرئيسية لعقيدة بيرنهام سيكون قدرتها على بناء تحالفات متعددة من دون تحويلها إلى مصدر توتر مع الولايات المتحدة.
أوروبا: العودة من بوابة الأمن
يمثل البعد الأوروبي عنصرًا آخر في رؤية بيرنهام. فالمادة تصفه بأنه أكثر رؤساء الوزراء البريطانيين تأييدًا لأوروبا منذ توني بلير، لكنه في الوقت ذاته لا يتبنى العودة السريعة إلى الاتحاد الأوروبي، ويحترم الخطوط الحمراء المرتبطة بالسوق الموحدة والاتحاد الجمركي وحرية الحركة.
وهذا يعني أن إعادة بناء العلاقة مع أوروبا قد تبدأ من الأمن والدفاع بدلًا من إعادة فتح ملف العضوية في الاتحاد الأوروبي.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة لأن البيئة الأمنية الأوروبية تغيرت بصورة كبيرة منذ الحرب الروسية الأوكرانية. فبريطانيا، رغم خروجها من الاتحاد الأوروبي، ما زالت قوة عسكرية رئيسية في القارة وعضوًا أساسيًا في حلف الناتو. وبالتالي فإن المجال الأمني يوفر لبريطانيا فرصة لتعميق علاقاتها الأوروبية دون الاضطرار إلى خوض معركة سياسية داخلية حول إعادة الانضمام إلى الاتحاد.
وقد يتطور هذا المسار ليشمل مشاركة بريطانية أوسع في المبادرات الدفاعية الأوروبية وتحسين العلاقات الاقتصادية من خلال تخفيف بعض القيود الحدودية. وبذلك يمكن أن تصبح أوروبا أحد المكونات الأساسية لاستراتيجية بيرنهام دون أن تعني بالضرورة التراجع عن قرار بريطانيا بمغادرة الاتحاد الأوروبي.
السياسة الخارجية تبدأ من الداخل
ربما يكون الجانب الأكثر تميزًا في تصور بيرنهام هو الربط المباشر بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية.
ففي رؤيته، لا تمثل زيادة الإنفاق الدفاعي مجرد استجابة لمخاطر أمنية خارجية، وإنما يمكن استخدامها أيضًا كأداة لإعادة التصنيع وخلق الوظائف في المناطق التي عانت من التراجع الاقتصادي. وبذلك تصبح الصناعة الدفاعية والتكنولوجيا والسيادة الاقتصادية جزءًا من استراتيجية واحدة تربط الأمن بالتنمية والتماسك الاجتماعي.
هذه المقاربة تعكس تحولًا مهمًا في مفهوم الأمن القومي. فالأمن، وفق هذا التصور، لا يبدأ عند الحدود فقط، وإنما يرتبط بقدرة الدولة على إنتاج التكنولوجيا، وتوفير الوظائف، والحفاظ على التماسك الاجتماعي، وتقليل الاعتماد على الخارج.
لكن هذه الرؤية تواجه اختبارًا ماليًا صعبًا. فالدولة التي تعاني من عجز مالي وقيود على الإنفاق لا تستطيع زيادة الإنفاق الدفاعي والاجتماعي في الوقت نفسه بلا حدود. وبالتالي فإن تحويل الدفاع إلى محرك للتصنيع قد يكون ممكنًا جزئيًا، لكنه لا يلغي المفاضلة بين الأولويات المالية المختلفة.
وهنا تكمن إحدى أكبر التناقضات المحتملة في «عقيدة بيرنهام»: محاولة الجمع بين إعادة بناء القوة العسكرية، وتوسيع الخدمات الاجتماعية، وتقليل عدم المساواة، وإعادة التصنيع، في وقت تعاني فيه المالية العامة من ضغوط كبيرة.
العقوبات على المستوطنات الإسرائيلية: اختبار عملي للعقيدة
تمثل العقوبات التي فرضتها حكومة بيرنهام على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية أحد أوضح الاختبارات المبكرة لهذا التصور.
فالإجراء يمثل تحولًا عن الخطاب البريطاني التقليدي الذي اكتفى بدرجات متفاوتة بالتعبير عن القلق من التوسع الاستيطاني. ووفق المادة، بررت الحكومة الخطوة باعتبارها تستهدف الحكومة الإسرائيلية وليس الشعب الإسرائيلي، وتهدف إلى مواجهة عنف المستوطنين والحفاظ على إمكانية حل الدولتين.
لكن أهمية القرار لا تكمن فقط في موضوع العقوبات، وإنما في الطريقة التي صيغ بها القرار سياسيًا. فقد حاولت الحكومة الجمع بين الاعتبارات القيمية والمصالح الواقعية: تقديم السياسة باعتبارها دفاعًا عن القانون الدولي والقيم البريطانية، مع إدراك أن العقوبات نفسها قد تكون محدودة الأثر ماديًا وقابلة للتحايل.
وبذلك تكشف القضية عن أحد المكونات الأساسية لعقيدة بيرنهام: استخدام أدوات القوة المتاحة، حتى عندما تكون محدودة، لإظهار موقف سياسي وأخلاقي، مع تجنب تحويل ذلك إلى مواجهة استراتيجية شاملة مع الولايات المتحدة.
القوى المتوسطة كأداة لإعادة توزيع النفوذ
تكتسب العقوبات أيضًا أهمية من حيث أنها جاءت في إطار تحالف ضم كندا وعددًا من الدول الأوروبية. وهذا يعكس تصورًا أوسع لدى بيرنهام يقوم على أن بريطانيا لا تستطيع بمفردها إعادة تشكيل النظام الدولي، لكنها تستطيع أن تكون محورًا لتحالفات بين القوى المتوسطة.
وتوفر هذه الاستراتيجية لبريطانيا ميزة سياسية مهمة: فهي تسمح لها بتوسيع قدرتها على التأثير دون تحمل تكلفة التصرف منفردة.
لكن هذا النموذج يواجه مشكلة أساسية: القوى المتوسطة ليست كتلة متجانسة. فهي قد تتفق على بعض القضايا، لكنها تختلف في المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسات الداخلية. لذلك فإن بناء تحالفات مؤقتة حول قضايا محددة قد يكون أسهل من بناء كتلة استراتيجية دائمة.
ومن ثم فإن نجاح بريطانيا في هذا المسار سيتوقف على قدرتها على التحول من مجرد طرف مشارك في التحالفات إلى دولة قادرة على تنسيقها وصياغة أجندتها.
السياسة الخارجية والحسابات الداخلية
لا يمكن أيضًا فصل التحرك البريطاني في الشرق الأوسط عن البيئة السياسية الداخلية. فالمادة تشير إلى أن قرار العقوبات حظي بتأييد غالبية في استطلاع للرأي، مع وجود دعم قوي له بين الناخبين المرتبطين بحزب الخضر، في وقت يواجه فيه بيرنهام تحديات سياسية على يساره.
لكن هذا لا يعني بالضرورة أن السياسة الخارجية صيغت فقط لأسباب انتخابية. الأهم سياسيًا هو أن حكومة بيرنهام تتحرك في بيئة أصبحت فيها القضايا الدولية مرتبطة بدرجة أكبر بالاستقطاب الداخلي.
وهذا يعيدنا إلى جوهر تصور بيرنهام: السياسة الخارجية ليست مجالًا منفصلًا عن السياسة الداخلية، بل أصبحت مرتبطة بالشرعية السياسية للحكومة، وبمواقف الناخبين، وبالنقاش حول القيم الوطنية.
غير أن هذه العلاقة تحمل مخاطر أيضًا. فكلما أصبحت السياسة الخارجية أكثر ارتباطًا بالحسابات الداخلية، أصبح من الصعب الحفاظ على المرونة الدبلوماسية المطلوبة للتعامل مع أزمات معقدة.
معضلة «الاستقلال الاستراتيجي»
يظل مفهوم «القدرات السيادية» من أكثر عناصر رؤية بيرنهام إثارة للنقاش.
فامتلاك قدرة وطنية في مجالات الدفاع والذكاء الاصطناعي وبناء السفن والتكنولوجيا يمكن أن يقلل الاعتماد على الخارج ويزيد هامش الحركة السياسية. لكن الوصول إلى الاكتفاء الاستراتيجي الكامل مكلف، وقد يدفع الدولة إلى تطوير قدرات محلية في قطاعات لا تتمتع فيها بميزة نسبية.
وهنا تظهر المفارقة: السعي إلى الاستقلال يمكن أن يعزز السيادة السياسية، لكنه قد يكون مكلفًا اقتصاديًا.
وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت بريطانيا تحتاج إلى قدرات سيادية، وإنما أي القدرات يجب أن تمتلكها محليًا، وأيها يمكن تأمينه عبر التحالفات والأسواق الدولية.
وهذا يفرض على حكومة بيرنهام الاختيار بين مفهومين مختلفين للأمن الاقتصادي: أمن يقوم على الاكتفاء النسبي، وأمن يقوم على تنويع الاعتماد وتقليل مخاطر التركّز في مصدر واحد.
حدود السياسة الأخلاقية
تواجه رؤية بيرنهام أيضًا اختبارًا آخر يتعلق بالفجوة بين المبادئ والممارسة.
فطرح سياسة خارجية تقوم على القيم والقانون الدولي يمكن أن يمنح بريطانيا نفوذًا ناعمًا إضافيًا، لكنه يجعل الحكومة أكثر عرضة لاتهامات التناقض عندما تتعارض المبادئ المعلنة مع المصالح السياسية.
وتشير المادة إلى مثال «رخاميات إلجين» التي سبق لبيرنهام أن أيد إعادتها إلى اليونان لتعزيز القوة الناعمة البريطانية، قبل أن يتراجع عندما أصبح رئيسًا للوزراء ويعتبر المسألة من اختصاص المتحف البريطاني.
وبغض النظر عن تقييم هذه الحالة، فإنها تكشف عن مشكلة أوسع في السياسة الخارجية القائمة على القيم: فالدولة لا تتعامل مع القيم في فراغ، وإنما داخل شبكة من المصالح والمؤسسات والتحالفات.
ولهذا فإن التحدي أمام بيرنهام ليس إعلان أن بريطانيا «تقف إلى جانب شيء ما»، وإنما الحفاظ على قدر من الاتساق بين المبادئ التي تعلنها والسياسات التي تنفذها.
روسيا والصين والشرق الأوسط: البيئة التي ستختبر العقيدة
لن تتحدد طبيعة السياسة الخارجية البريطانية في السنوات المقبلة من خلال الخطاب النظري، وإنما من خلال كيفية تعامل الحكومة مع الأزمات الفعلية.
تظل روسيا التحدي الأمني المباشر الأكثر وضوحًا في المادة، في ظل اتساع التوتر بين لندن وموسكو منذ الحرب في أوكرانيا. وفي هذا السياق، فإن استمرار الدعم البريطاني لأوكرانيا يبدو أحد عناصر الاستمرارية بين حكومة بيرنهام والحكومة السابقة.
أما الصين، فتظل اختبارًا مختلفًا؛ إذ تحتاج بريطانيا إلى تحقيق توازن بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات الأمنية والتكنولوجية، بينما لم تتضح في المادة بصورة كاملة ملامح سياسة بيرنهام تجاه بكين.
وفي الشرق الأوسط، تكشف قضية إسرائيل والفلسطينيين عن استعداد الحكومة لاستخدام أدوات سياسية واقتصادية أكثر وضوحًا، لكن يبقى السؤال حول مدى قدرتها على ترجمة المواقف الرمزية إلى نفوذ فعلي.
وهنا تتضح حدود القوة البريطانية: لندن تمتلك اقتصادًا عالميًا، وقطاع خدمات قويًا، وقدرات عسكرية متقدمة، وترسانة نووية، ومقعدًا دائمًا في مجلس الأمن الدولي؛ لكنها لا تمتلك وحدها القدرة على فرض نتائجها في معظم الأزمات الدولية.
بين الاستمرارية والتغيير
رغم الحديث عن «عقيدة بيرنهام»، فإن التحول في السياسة الخارجية البريطانية لن يكون قطيعة كاملة مع المرحلة السابقة.
فاستمرار المستشار السابق للأمن القومي، واستمرار الدعم القوي لأوكرانيا، والحفاظ على العلاقة مع الولايات المتحدة، كلها تشير إلى قدر من الاستمرارية. كما أن الحكومة الجديدة تواصل العمل داخل المؤسسات والتحالفات التي شكلت السياسة البريطانية لعقود.
لكن التغيير المحتمل يكمن في الطريقة التي ستجمع بها الحكومة هذه العناصر.
فإذا كانت السياسة البريطانية التقليدية تقوم على الاعتماد بدرجة كبيرة على التحالف الأمريكي، وعلى القوة العسكرية والاقتصادية الموجودة بالفعل، فإن بيرنهام يبدو أكثر اهتمامًا بإعادة بناء بعض عناصر القوة البريطانية نفسها، مع توسيع شبكة العلاقات الأوروبية والتحالفات مع القوى المتوسطة.
وبالتالي، فإن التحول لا يكمن بالضرورة في تغيير الحلفاء، وإنما في إعادة توزيع الأدوار داخل شبكة التحالفات.
الخلاصة: هل تستطيع بريطانيا استعادة هامشها الاستراتيجي؟
تكشف ملامح «عقيدة بيرنهام» عن محاولة لإعادة تعريف الدور البريطاني في عالم يتسم بتزايد المنافسة بين القوى الكبرى وتراجع اليقين بشأن طبيعة النظام الدولي.
وتقوم الرؤية الناشئة على أربعة عناصر مترابطة: إعادة بناء القوة الصلبة، وتعزيز القدرات السيادية، وتوسيع التحالفات مع القوى المتوسطة، والحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، مع إعادة بناء الجسر الأوروبي تدريجيًا.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في التوفيق بين هذه الأهداف. فزيادة الإنفاق الدفاعي تتنافس مع الإنفاق الاجتماعي، والاستقلال الاستراتيجي مكلف، وبناء تحالفات مستقلة قد يثير تحفظ واشنطن، والتقارب الأوروبي يصطدم بالقيود السياسية التي فرضها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ومن ثم، فإن «عقيدة بيرنهام» لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مشروعًا للانفصال عن النظام الغربي أو عن الولايات المتحدة، وإنما باعتبارها محاولة لزيادة هامش الحركة البريطانية داخله.
وهذا يقود إلى سؤال أكثر أهمية: هل تستطيع بريطانيا، في ظل موارد اقتصادية محدودة وتحديات داخلية متراكمة، أن تعيد بناء قاعدة قوة تسمح لها بأن تكون أكثر استقلالًا في قراراتها الخارجية دون أن تفقد مزايا التحالفات التي اعتمدت عليها لعقود؟
الإجابة ستتوقف بدرجة كبيرة على قدرة بيرنهام على تنفيذ الجزء الداخلي من مشروعه. فإذا استطاع ربط الدفاع بالتكنولوجيا والتصنيع والوظائف، فقد تتحول السياسة الأمنية إلى جزء من مشروع لإعادة بناء القوة الاقتصادية البريطانية. أما إذا بقيت الطموحات الأمنية أكبر من الموارد المتاحة، فقد يتحول مفهوم «القدرات السيادية» إلى عبء مالي بدلًا من أن يكون مصدرًا للاستقلال.
وفي الوقت ذاته، سيظل الاختبار الخارجي حاسمًا. فنجاح بريطانيا في بناء تحالفات بين القوى المتوسطة مع الحفاظ على قنوات التعاون مع واشنطن قد يمنح لندن مساحة أوسع للتحرك. أما إذا تحولت هذه التحالفات إلى مسار ينافس الولايات المتحدة بصورة مباشرة، فإن هامش الحركة البريطاني قد يتقلص بدلًا من أن يتسع.
لذلك، فإن جوهر التحول الذي يمثله بيرنهام لا يكمن في تبني سياسة خارجية أكثر تشددًا أو أكثر ليبرالية، وإنما في محاولة إعادة بناء العلاقة بين القوة البريطانية ومصادرها الداخلية وتحالفاتها الخارجية.
وفي النهاية، قد يكون أهم ما في تجربة بيرنهام أنها تعيد طرح سؤال أوسع حول مستقبل القوى المتوسطة في النظام الدولي: هل تستطيع هذه الدول أن تزيد استقلاليتها الاستراتيجية من خلال بناء قدراتها الوطنية وتشكيل تحالفات متعددة، أم أن اعتمادها البنيوي على القوى الكبرى سيظل يفرض حدودًا صارمة على قدرتها على صياغة سياسة خارجية مستقلة؟
بالنسبة لبريطانيا، ستحدد الإجابة عن هذا السؤال ليس فقط شكل السياسة الخارجية لحكومة بيرنهام، وإنما أيضًا موقع المملكة المتحدة في النظام الدولي خلال السنوات المقبلة.
