# «مرآتان لوجه واحد».. عدنان الصائغ يستعيد وجع العراق وذاكرة المنفى صدر حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة ديوان «مرآتان لوجه واحد» لل

ثقافة - Foresight

صدر حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي»، ليضيف محطة جديدة إلى تجربة شعرية طالما انشغلت بأسئلة الإنسان، وذاكرة الحروب، ومآسي المنفى، وما تتركه التحولات السياسية والاجتماعية من ندوب في الروح والوجدان.

يتنقل الديوان بين عوالم الحنين والفقد، والخوف والغضب، والحب والانكسار، والثورة واللاجدوى، في محاولة شعرية لاستعادة ملامح التجربة العراقية والعربية على امتداد عقود من الاضطراب والصراعات. ومن خلال هذه الثيمات، يستكشف الصائغ العلاقة المعقدة بين الذات وذاكرتها، وبين الإنسان وتاريخه، في عالم تتداخل فيه الخسارات الشخصية مع الجراح الوطنية والجماعية.

ويحمل عنوان الديوان دلالة تتجاوز الاستعارة البصرية للمرايا، إذ يقيم الشاعر من خلالهما حوارًا بين صورتين للذات الواحدة، تتباعدان في الزمن والمكان، وتلتقيان عند الوجع الإنساني. ففي المرآة الأولى، يستعيد الصائغ المشهد العراقي من مسافة المنفى والغربة، مستعينًا بما راكمته سنوات التشرد من خبرة وتأمل. وتتيح له هذه المسافة إعادة النظر في الذاكرة، وقراءة الخراب الإنساني والوطني بعين أكثر عمقًا، من دون أن تنقطع صلته بالمكان الذي ظل حاضرًا في وجدانه.

أما المرآة الثانية، فتقود إلى البدايات الأولى للألم، وتحديدًا سنوات الحرب العراقية الإيرانية، حين كان الموت جزءًا من الحياة اليومية، وكانت الجراح أقرب إلى لحظتها الأولى. هنا، تتجلى الذات الشاعرة في مواجهة مباشرة مع الخوف والفقد، لكنها لا تتخلى عن الأمل أو الرغبة في التغيير، بل تتمسك بشرارة التحدي والتطلع إلى مستقبل أكثر عدلًا وحرية.

وبين المرآتين، تتشكل مساحة شعرية يتقاطع فيها الماضي مع الحاضر، والمنفى مع الوطن، والذاكرة الفردية مع التجربة الجماعية. ومن خلال هذا التداخل، يقدم الصائغ نصوصًا تتأرجح بين مرارة الاستعادة ومحاولة الفهم، مستحضرًا الإنسان في لحظات ضعفه وانكساره، وفي محاولاته المستمرة لمقاومة القبح والخراب واستعادة المعنى.

ولا ينفصل هذا الاشتغال الشعري عن التجربة الأدبية لعدنان الصائغ، الذي راكم عددًا من المجاميع الشعرية، من بينها «مرايا لشعرها الطويل»، و«تحت سماء غريبة»، و«نشيد أوروك»، و«نرد النص»، وهي أعمال تتصل بعالمه الشعري المنحاز إلى الإنسان، والمنشغل بأسئلة الوطن والذاكرة والحرية.

وتكشف إحدى مقاطع الديوان عن قدرة الشاعر على تحويل الرسم إلى فعل مقاومة واستعادة، حيث تتجاور صور الحرب والوطن واللغة والطفولة، في مشهد تتداخل فيه السخرية بالوجع، والذاكرة بالأمل، قبل أن ينتهي إلى سؤال عاطفي مفتوح على الغياب والبحث عن الذات:

«أرسم دبابة وأوجهها إلى شرفة الجنرال
أرسم غيمة وأقول: تلك بلادي
أرسم لغماً وأضعه في خزانة اللغة
أرسم عنكبوتاً وأحنطه على باب الأحزان
أرسم أبي وأقول له: لماذا تركتني وحيداً أمام اللئام؟
أرسم مائدة وأدعو إليها طفولتي
أرسم ناياً وأنسل من ثقوبه إلى القرى البعيدة
أرسم شارعاً وأتسكع فيه مع أحلامي
أرسم قلبي..
.. وأسأله: أين أنتِ؟!»

في «مرآتان لوجه واحد»، لا تبدو الكتابة مجرد استعادة لماضٍ مثقل بالحروب، بل محاولة لفهم أثره الممتد في الحاضر، ومساءلة العلاقة بين الإنسان ووطنه، وبين الذاكرة وما تبقى من الأحلام. وهكذا، تتحول المرآتان إلى فضاء شعري يواجه فيه الشاعر صورته وصورة العالم، بحثًا عن معنى للحياة وسط الفقد، وعن نافذة للأمل في زمن تتكاثر فيه أسباب الانكسار.